Friday 29 August 2025
مجتمع

ودغيري حسني: فجيج بين العطش والكرامة.. نداء من الهامش

 
ودغيري حسني: فجيج بين العطش والكرامة.. نداء من الهامش أزمة الماء في فجيج، كرامة أم نسيان؟
في أقصى الشرق، حيث تتدلّى عناقيد التمر كآيات صبر، وحيث تتوارى الشمس خلف جدران الطين العتيقة، هناك واحة اسمها فجيج، مدينة تعلّمت كيف تعيش على الهامش دون أن تفقد كبرياءها. واحة ترفع رأسها في وجه الريح، وتصرخ في وجه الصمت.

لكن اليوم، هذه الواحة التي تشبه نخلة باسقة، تتكئ على جرحٍ عميق الماء… ماء الحياة صار عنوان نزاع، وصار أداة مساومة، بينما هو في الأصل حقّ لا يُشترى ولا يُباع.

اثنان وعشرون شهرًا من الحراك، من الاعتصامات، من الوجوه المرهقة التي تبيت على أملٍ صغير بأن يسمعها من بيده القرار.

اثنان وعشرون شهرًا من البلوكاج من الدوران في الفراغ: استقالات تتوالى، انتخابات جزئية لا تغيّر شيئًا، مجالس مشلولة كأنها دمى معلّقة بخيوط واهية.

لقد أرهقنا الكلام.
أرهقتنا المقالات والندوات والموائد المستديرة.
أرهقتنا لغة الخطباء التي لا تُسمن ولا تُغني من عطش.
أرهقنا "الخبراء" الذين يملؤون الصفحات بالأرقام، ويتركون الواقع يتهاوى بلا سند.
الناس هنا لا يريدون توصيات ولا بيانات.

لا يريدون لجنة جديدة تُضاف إلى أرشيف اللجان.
إنهم يريدون قرارًا، قرارًا حاسمًا يوقف النزيف، ويعيد قطار المدينة إلى سكّته.
إنها ليست قضية ماء فقط.

إنها قضية كرامة، قضية ثقة بين المواطن والدولة، قضية عدالة مجالية ظلّ الملك ينادي بها: أن لا يبقى المغرب مغربين؛ واحدًا ينعم بالاهتمام، وآخر يُلقى إلى النسيان.
فجيج اليوم تقف على مفترق طرق:
إمّا أن تستمر في نزيفها، أن يهاجر شبابها، أن يذبل نخيلها، أن تصير مجرد ذكرى…
وإمّا أن تمتد إليها يد من الرباط، لا لتكتب بيانًا آخر، بل لتضع حدًا لهذا العبث، بقرارٍ شجاع، قاطع، يعيد المياه إلى مجاريها، والتنمية إلى مسارها.

لقد قال السكان كلمتهم.
في الشارع، في صناديق الاقتراع، في احتجاجاتهم اليومية.
رفضوا الخصخصة، رفضوا تسليع ما لا يُسلّع.
رفضوا أن تتحول حياتهم إلى صفقة.
ألم يحن الوقت لسماع صوتهم؟
ألم يحن الوقت لتجاوز لعبة الكرّ والفرّ بين استقالات ومواعيد مؤجلة؟
ألم يحن الوقت أن تُصان هيبة القانون، وأن تُحترم إرادة الناس، وأن يُعاد الاعتبار إلى معنى الانتخاب الذي صار في عيون الكثيرين بلا جدوى؟
إنها ليست دعوة للفتنة، بل نداء للعقل.
ليست صرخة غضب، بل رجاء في دولة نثق أنها قادرة على إنصاف أبنائها.
ليست معركة خاسرة، بل فرصة لكي تستعيد المؤسسات معناها، ويستعيد المواطن إيمانه بالديمقراطية المحلية.
يا فجيج… يا مدينة العزلة والصبر… يا حارسة الحدود…
ستبقين دائمًا في القلب، حتى لو جارت عليك القرارات وتباطأت الحلول.
ستبقين شاهدة على أن الصمت قد يطول، لكن الحق لا يموت.
وأنا…
لست إلا متابعًا محبًا، أكتب بمداد الوجع والأمل معًا، أكتب كمن يشهد على عطش الأرض والقلوب، منتظرًا معكم لحظة الفرج…
لحظة القرار الشجاع الذي يعيد للنخيل خضرته، وللماء نقاءه، وللحياة كرامتها.

فإلى متى؟