قبل أيام قليلة من انطلاق الموسم الدراسي، أصدرت فروع الكونفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ بجهة الدار البيضاء – سطات بياناً مطولاً استعرضت فيه جملة من الاختلالات البنيوية والتدبيرية التي تشوب القطاع التربوي على المستوى الجهوي.
البيان تطرق إلى تراجع مؤشرات الأداء التربوي بالجهة، مستشهداً بنتائج امتحانات الباكالوريا التي وُصفت بأنها "لا تشرّف الجهة"، في إشارة إلى ضعف نسب النجاح المسجلة مقارنة بالمعدلات الوطنية. هذا المعطى، وفق ما ورد في البيان، يعد مؤشرا على وجود أعطاب هيكلية في التدبير الإداري والتربوي، وعلى قصور في آليات التخطيط والمواكبة، مما يستدعي، حسب المصدر ذاته، مراجعة شاملة للتوجهات والسياسات المعتمدة داخل الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية التابعة لها.
ويأتي هذا البيان في ظرفية خاصة تتسم باستعداد الأسر المغربية لاستقبال موسم دراسي جديد، وسط مخاوف من تكرار سيناريوهات الأعوام الماضية، التي اتسمت بخصاص كبير في الأطر التربوية والإدارية، واكتظاظ خانق داخل الحجرات الدراسية، وضعف البنيات التحتية، مما يهدد جودة التمدرس ويقوّض فرص تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
الكونفدرالية، وفي عرضها لمظاهر الأزمة، أفادت أن بعض الأقسام الدراسية باتت تضم أزيد من 45 تلميذاً، في مقابل غياب شبه تام للحدّ الأدنى من شروط التمدرس اللائق، مثل الماء والكهرباء والمرافق الصحية والأسوار الواقية. كما انتقدت بشدة ما وصفته بـ "خوصصة التعليم الأولي"، معتبرة أن تفويض هذا الورش الاستراتيجي لجمعيات يغلب عليها الطابع الخدماتي لا ينسجم مع الأهداف الكبرى لإصلاح التعليم، ويؤدي إلى هشاشة في التكوين الأساسي للأطفال.
ودعت الكونفدرالية إلى التدخل العاجل لسد الخصاص الحاد في الموارد البشرية وتعويض الأطر المنتقلة أو المتغيبة، مع ضمان تأطير تربوي وإداري فعّال لمؤسسات التعليم العمومي. كما طالبت بإلغاء ما سمته بـ"الأقسام المفككة"، وتعويضها بأبنية صلبة، مشددة على ضرورة بناء مؤسسات جديدة وتوسيع القائم منها لمواجهة الاكتظاظ.
البيان لم يغفل الإشارة إلى معضلة التعليم الخصوصي والدروس الخصوصية، حيث تم التحذير من تفاقم اللامساواة الاجتماعية نتيجة ضعف الرقابة على القطاع الخاص واستنزاف الأسر من خلال الدعم التربوي غير الرسمي، ما يكرّس انقساماً تربوياً ومجتمعياً مقلقاً. كما شددت الفروع على أهمية دعم النقل المدرسي وتجويد خدماته باعتباره ركيزة لضمان الولوج العادل للمدرسة، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية.
ونددت الكونفدرالية بما أسمته "التضييق على جمعيات الأمهات والآباء"، مطالبة بتمكينها من فضاءات عمل مناسبة داخل المؤسسات التعليمية، وتثمين مساهماتها المالية والمعنوية في تأهيل المدرسة العمومية. كما طالبت برفع تمثيلية هذه الجمعيات في المجالس الإدارية للأكاديمية الجهوية، بما يتناسب مع حجم الجهة وعدد مديرياتها الإقليمية.
البيان شدد كذلك على ضرورة إدراج قضية الصحراء المغربية ضمن أنشطة الحياة المدرسية، كمكون أساسي لترسيخ قيم المواطنة والهوية الوطنية لدى الناشئة، إلى جانب الدعوة إلى تعميم تدريس اللغة الأمازيغية والتربية الدامجة، والتصدي لممارسات ضم الأقسام التي تؤثر سلباً على جودة التعليم.
وأكدت الكونفدرالية أن إصلاح التعليم مسؤولية جماعية، لا تقف عند حدود الوزارة أو الأكاديمية، بل تشمل الفاعلين النقابيين، المجتمع المدني، الأسر، الإعلام، والمنتخبين. كما دعت النقابات التعليمية إلى التفكير في بدائل نضالية للإضرابات، تحفظ حق الأطر التربوية في الدفاع عن مطالبها دون المساس بالزمن المدرسي للتلاميذ.
رسالة قوية وجهتها الكونفدرالية كذلك إلى الجهات الوصية، مطالبة بتمكين الفاعلين من الاطلاع على قرارات ومخرجات المجالس الإدارية للأكاديمية الجهوية، وتقديم تقارير مفصلة حول تنفيذ البرامج والمشاريع، انسجاماً مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أكدت الكونفدرالية أنها أعدت تقريراً مفصلاً حول واقع التعليم بالجهة، ستوجهه إلى كل من وزارة التربية الوطنية، والي الجهة، الأكاديمية الجهوية، والمديريات الإقليمية، معتبرة أن أي تأخير في إنقاذ المدرسة العمومية يشكل تهديداً مباشراً لمستقبل الأجيال القادمة ولمشروع التنمية الوطنية.
