الأحد 28 نوفمبر 2021
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: التقنوقراطي والسياسي

عبد السلام المساوي: التقنوقراطي والسياسي عبد السلام المساوي

إن المرحلة التي تمر بها بلادنا مرحلة خاصة ودقيقة، مرحلة انتقالية، مرحلة يطبعها الغموض والالتباس، الخلط وتبادل الأدوار والوظائف... مثلما يحدث في الجمعيات أو بعضها التي تبشر بنهاية السياسة وعقم الفاعلين السياسيين التقليديين. ونؤكد أن السياسة لم تنته وأن دور الأحزاب ضروري لإنجاح المشروع الديموقراطي الحداثي الذي تنشده بلادنا، باعتبار الأحزاب ركيزة أساسية للنظام الديموقراطي، ولا يمكن أن نتصور أي تحول ديموقراطي، أو ديموقراطية بدون أحزاب.. فالديموقراطية كما تحققت في العالم هي ديموقراطية الأحزاب السياسية. من هنا لا يمكن أن نؤسس ونبني مشروعا ديموقراطيا بالتشكيك في دور الأحزاب وتبخيس الكفاءات السياسية، أو بمحاولة تجاوزها أو إلغائها ...

 

إن الحزب يختص، من بين كل المؤسسات المجتمعية (الجمعيات، النقابات، مؤسسات الإعلام...) بالممارسة السياسية وتأطير المواطنين وتأهيلهم لممارسة الشأن العام، كما يعمل على تكوين النخبة السياسية، خدمة للمواطنين وتلبية لحاجاتهم المتنوعة والمختلفة وتحت مراقبتهم ومحاسبتهم... وهذا أوج ما وصلت الديموقراطيات المعاصرة بعدما استكملت نضجها المجتمعي واستقرارها السياسي...

 

الحزب إذن وسيلة من وسائل ممارسة الشأن العام السياسي، يتقاطع مع كثير من المؤسسات المجتمعية الحديثة، من غير أن تتمكن أي منها من أن تنوب عنه في تربية المواطنين على ممارسة حق المشاركة السياسية، وأن ذهب بعضهم عن جهل أو خلط مع سبق الإصرار إلى التبشير ببديل عن الأحزاب السياسية، يحصرونه في جمعيات محسوبة على المجتمع المدني أو في التقنوقراط ...

 

نعم هناك انسحاب من السياسة وعزوف عن الأحزاب، مقاطعة للانتخابات وتبخيس للمؤسسات التمثيلية... وكل هذا وليد عوامل متعددة؛ تاريخية، اجتماعية وثقافية... من هنا وجب التفكير جديا في الأمر ووضع استراتيجية من شأنها أن تؤدي إلى تصالح المواطنين مع السياسة وممارسيها، مع الانتخابات والمؤسسات التي تكون نتيجة لها، واستحقاقات 8 شتنبر هي بداية لتصالح المواطنين والمواطنات مع السياسة، وهذا ما تأكد من خلال نسبة التصويت المرتفعة (أزيد من 50%).. من هنا وجب القطع مع كل ما من شأنه تبخيس العمل السياسي والنضال الحزبي، ووجب تقدير الكفاءات السياسية المناضلة ...

 

يعتقد البعض واهما ومخطئا، أن الإصلاح لا يحتاج إلى نخبة سياسية/ فاعلين سياسيين، بدعوى أن للإصلاح طابع تقنوقراطي محض، وإنجاحه يحتاج إلى تقنوقراط، وإذا كان البديل التقنوقراطي قد جرب لأزيد من أربعة عقود، وراكم خلال هذه الحقبة الطويلة إخفاقات متتالية، فإن البعض الآن يروم تمديده تحت غطاء الانخراط الحزبي عشية تشكيل الحكومة. هذه الوضعية تنعكس سلبا على العمل الحزبي؛ عزوف عن الأحزاب وعداء للفاعلين السياسيين فبحث عن بدائل (أجدى) و(أنفع) خارج البديل الحزبي؛ بدائل غير ديموقراطية، طبعا؛ الإدارة، الجمعيات، الصحافة... أطر اشتغلت في الإدارة، أحرزت مكاسب وامتيازات، سميت تكنوقراط فحصلت على حقائب وزارية، أخرى ركبت الجمعيات وأخرى لجأت إلى الصحافة (المستقلة)... هؤلاء الذين قدحوا العمل الحزبي، فانخرطوا في هذا الحقل أو ذاك، لأنهم اعتبروا أن الأحزاب عاجزة عن تحقيق طموحاتهم، بل إنها مؤسسات بدون جدوى، وقد ترسخ هذا الموقف من الأحزاب لما تم الابتعاد عن المنهجية الديموقراطية بعد استحقاقات شتنبر 2002 حيث تم تعيين وزير أول خارج الأحزاب... واليوم يتم تقزيم الفاعلين السياسيين المتحزبين والمناداة على كفاءات تقنوقراطية بعد "صبغها" بلون حزبي في آخر لحظة !

 

مباشرة بعد تشكيل حكومة التناوب تكونت معارضة من طرف جهات دعت إلى ضرورة إخلاء المكان للمجتمع المدني والخبرة التقنوقراطية، واعتبرت أن الفريق الحكومي دون خبرة وتجربة. إن دعوة مثل هذه هي في العمق دعوة إلى استمرار حالات الاستثناء التي عشناها في الماضي، والتراجع عن تقدمات وفتوحات حصلت في الممارسة السياسية المغربية، وهي تقدمات لم تحصل عبثا، بل جاءت كحصيلة لصراعات وتوافقات عرفها الواقع السياسي المغربي فكرا وممارسة، وأن هذه الدعوة ايضا دعما لذلك التحالف التقنوقراطي الذي أسندت إليه الأمور في السابق، والذي يسعى إلى العودة من النافذة زاعما أنه حزبي ...

 

ويجب أن نحذر مما يقال عن التقنوقراط، وبالخصوص يجب ألا يتحول التقنوقراط إلى صيغة جديدة لـ (الصاب) أي اللامنتمين الذين كانوا أداة للتمييع، وهناك الآن تحامل على الأحزاب، وبالذات الأحزاب الديموقراطية... ولا يستبعد أن يكون الهدف هو خلق الفراغ، والفراغ أقتل من القمع، والقمع يمكن أن يكون مجرد فترة وتمر، ويمكن أن يصيب الوهن مرتكبه، أما الفراغ فهو يقتل القريحة ويستمر مفعوله عدة أحقاب. فلنحذر من خلق الفراغ بتمييع الأحزاب السياسية والاستمرار في تبخيس الحياة السياسية وتهميش الكفاءات الحزبية...