يلاحظ الجميع، خلال السنوات الاخيرة، ان الشعور بالانتماء خصوصا لدى الشباب والنساء، خرج من دائرة الصمت الى فضاء التعبير العلني. لم يعد الاحساس بالانتماء مجرد شعور داخلي مكتوم، بل اصبح يعبر عنه بوضوح، وبجرأة، وباشكال متعددة، كلما توفرت لحظة جامعة تسمح له بالظهور.
وقد شكلت بعض اللحظات المفصلية مناسبات كبرى لتفجير هذا الاحساس الجماعي. لم تكن الرياضة وحدها تلك المناسبة، وان كانت الاكثر وضوحا وانتشارا. كاس العالم بقطر مثلت لحظة رمزية نادرة، عبر فيها المغاربة، داخل الوطن وخارجه، عن اعتزاز قوي بالانتماء الى بلادهم . لم يكن الامر مجرد فوز رياضي، بل استعادة جماعية لمعنى “نحن”، بكل ما تحمله من هوية وذاكرة مشتركة. ثم تعزز هذا الشعور في كاس العرب، وتواصل مع كاس افريقيا، ومع كل حضور للفريق الوطني، حيث تحول القميص الوطني الى لغة جامعة تتجاوز الاختلافات.
لكن التجربة المغربية تظهر بوضوح ان هذا الانتماء لا يتفجر فقط في لحظات الفرح الجماعي، بل يظهر، احيانا، باكثر اشكاله صدقا في لحظات المحنة. الزلزال، على قسوته، كان اختبارا اخلاقيا عميقا للمجتمع، حيث برزت شبكات تضامن تلقائية ومبادرات جماعية وفردية، دون انتظار توجيه .لم يكن ذلك فعل احسان عابر، بل تعبيرا مكثفا عن شعور جماعي بان المصاب واحد، وان الوطن ليس مجرد حدود، بل علاقة ومسؤولية. وتكرر المشهد ذاته في الفيضانات والكوارث الطبيعية، حيث ظهر ان الانتماء، حين يكون حقيقيا، لا يحتاج الى شعارات، بل يترجم نفسه في الفعل.
من الناحية المعرفية، الانتماء ليس عاطفة ظرفية. بل رابطة مركبة بين الهوية،من جهة والاحساس بالمصير المشترك من جهة اخرى . وهو أيضا اندماج رمزي عندما يشعر الفرد بانه معترف به داخل الفضاء العام، وان هذا الفضاء بتاريخه ومستقبله يعنيه كما يعني غيره.
وفي هذا الأفق اعتبر ابن خلدون، ان تماسك الجماعة هو اساس العمران، وان المجتمعات لا تنهض بالقوة وحدها، بل بالروابط التي تجعل الافراد مستعدين للتضحية من اجل الكل.
فالانتماء قيمة متعددة المستويات، تبدأ من الوطن كافق جامع، وتمتد الى كل الفضاءات التي نعيش فيها ذواتنا اليومية، اسرا ومؤسسات ومجالات عمل من ادارات ووحدات انتاجية وحياة.
انطلاقا من هذا الفهم، يصبح التحدي الاساسي هو الا يبقى الانتماء حبيس اللحظات الاستثنائية، سواء كانت فرحا او كارثة، بل ان يتحول الى ثقافة يومية. ان يشعر التلميذ بالاعتزاز بالمدرسة التي يدرس فيها، لا خوفا منها بل انتماء اليها. وان يعتز الطالب بجامعته باعتبارها فضاء للمعرفة، لا مجرد محطة عبور. وان يشعر الموظف بان الادارة التي ينتمي اليها ليست عبئا، بل مرفقا عموميا يخدم الصالح العام.
هذا الانتقال من الوطن في معناه الرمزي الكبير، الى اوطان صغيرة نعيشها يوميا، هو الشرط الضروري لتحويل الانتماء الى طاقة اخلاقية منتجة.لان الوطن لا يبنى بالقوانين وحدها، بل باحساس الناس بانهم جزء من القصة. كما قال احد الزعماء .
وبالتالي فما عبر عنه المغاربة في المدرجات، وقبلها في القرى المنكوبة، وفي لحظات التضامن الصامت، ليس تفصيلا عابرا. وانما رسالة واضحة. والسؤال الذي يظل مطروحا علينا جميعا هو: هل نملك الشجاعة لتحويل هذا الشعور بالانتماء الى ثقافة عامة، وممارسة يومية، ومسؤولية مشتركة؟ فالاوطان تبنى حين يتحول الانتماء الى وعي دائم بالفعل والمسؤولية وتفجيره في لحظات الفرح قبل اختباره في لحظات الألم لا قدر الله .

