الجمعة 2 يناير 2026
كتاب الرأي

عبدالعزيز رجاء: إصلاح مؤجَّل… ومعاشات في قبو الانتظار

عبدالعزيز رجاء: إصلاح مؤجَّل… ومعاشات في قبو الانتظار عبدالعزيز رجاء
في ردّها على سؤال شفوي، شدّدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، على أن الحكومة تمنح أولوية قصوى لملف إصلاح أنظمة التقاعد، رغم صعوبته وتعقيداته وكلفته السياسية، داعيةً إلى إبعاده عن ما سمّته “الجدل السياسي”، والتركيز بدل ذلك على منطق التوافق والاستدامة.
غير أن هذا الخطاب، على تماسُكه الظاهري، يغفل – عن قصد أو عن غير قصد – واقعًا اجتماعيًا ضاغطًا لا يقبل مزيدًا من التأجيل، ويتعلّق بالوضعية المعيشية الحرجة لشريحة واسعة من المتقاعدين والمتقاعدات وذوي الحقوق.
وإذ تؤكد هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب أن النقاش حول إصلاح أنظمة التقاعد، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يُستعمل مبررًا لتجميد المعاشات لأكثر من 28 سنة، فإنها تذكّر بأن مطلب الزيادة الفورية والعادلة في المعاشات يظل مطلبًا اجتماعيًا عاجلًا ومستقلًا عن ورش الإصلاح الهيكلي طويل الأمد.
وقد سبق للهيئة أن رفعت عدة مذكرات في هذا الشأن، تطالب فيها بالزيادة الفورية في المعاشات وتسقيف الحد الأدنى لها في 3500 درهم، باعتبار ذلك حدًا أدنى من شروط العيش الكريم، وليس امتيازًا أو مطلبًا فئويًا.
فالمتقاعدون اليوم لا يعيشون على وعود “الاستدامة لعقود قادمة”، بل يواجهون يوميًا الارتفاع المهول في كلفة الغذاء، والدواء، والسكن، وفواتير الماء والكهرباء والخدمات، في ظل معاشات هزيلة لم تعد تفي حتى بأبسط متطلبات الحياة.
وعليه، فإن الخلط – المتعمد أو غير المتعمد – بين مطلب الزيادة الفورية في المعاشات وبين إصلاح أنظمة التقاعد، يُعدّ حسب هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب هروبًا إلى الأمام، وتأجيلًا غير مبرر لمعالجة معاناة قائمة وملموسة.
إن إصلاح أنظمة التقاعد، الذي تصفه الحكومة بـ“الورش الشائك والمركّب”، هو مسار مؤسساتي يتطلب وقتًا وتشخيصًا دقيقًا وحوارًا وطنيًا موسعًا، وقد يمتد لسنوات.
أما الزيادة في المعاشات، فهي قرار سياسي اجتماعي يمكن اتخاذه فورًا، كما تم اتخاذ قرارات مماثلة لفائدة فئات مهنية أخرى تحت ضغط الواقع الاجتماعي (الأطباء، أساتذة التعليم العالي، القضاة، وغيرهم).
وبناءً عليه، تُشدد هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب على ضرورة فصل المسارين بشكل واضح:
    مسار أول، عاجل وفوري، يهم الزيادة في المعاشات وتسقيف حدها الأدنى في 3500 درهم.
    ومسار ثانٍ، تشاركي وطويل الأمد، يهم إصلاح أنظمة التقاعد، دون المساس بالحقوق المكتسبة.
أما بخصوص حديث الوزيرة عن “لغة الأرقام والمعطيات الدقيقة”، فإن الهيئة تؤكد أن الأرقام وحدها لا تعكس حجم المعاناة الإنسانية. وإلا كيف يمكن تبرير الحديث عن مليارات الدراهم المخصصة للدعم الاجتماعي، وعن توسيع الطبقة الوسطى، في الوقت الذي يُترك فيه متقاعدون أفنوا عمرهم في خدمة الدولة بمعاشات تقل، في أغلبها، عن خط الفقر؟ خصوصًا أن هذه الفئة لا تستفيد لا من آليات الدعم المباشر المعتمدة، ولا من أي مراجعة للسلالم أو تحسينات مرتبطة بالأجور، في حين ظلت معاشاتها مجمّدة لأكثر من ربع قرن، دون أي تحيين يراعي التحولات الاقتصادية وغلاء المعيشة.
إن الاستمرار في ربط المطالب المشروعة للمتقاعدين بما يُسمّى “إصلاح الصناديق” يُشكّل تنصّلًا اجتماعيًا غير مقبول، ويؤدي عمليًا إلى إفراغ مبدأ العدالة الاجتماعية من مضمونه، وهو منطق نرفضه جملةً وتفصيلًا.
فالزيادة في المعاشات والرفع من حدها الأدنى ليسا امتيازًا، بل حقًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، خاصة وأن المتقاعد يجد نفسه وحيدًا في مواجهة الغلاء، والمرض، وتكاليف التقدم في السن.
وعليه، فإن على الحكومة، إن كانت جادة في تنزيل ورش “الدولة الاجتماعية” كما دعا إلى ذلك الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، أن تجتاز أول اختبار حقيقي لها، عبر الاستجابة الفورية لمطلب المتقاعدين، دون ربطه بإصلاحات مؤجلة أو حسابات سياسية ضيقة.
فالدولة التي لا تحمي متقاعديها تفقد جزءًا من شرعيتها الاجتماعية، مهما رفعت من شعارات الحكامة والاستدامة.
إن مطلب الزيادة الفورية والعادلة في المعاشات، وتسقيف حدها الأدنى في 3500 درهم، كما تطالب به هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب، هو مطلب آني، إنساني، ومشروع، ومستقل تمامًا عن ورش إصلاح أنظمة التقاعد.
أما استمرار تجاهله، فلن يُفهم إلا كتنصّل من المسؤولية الاجتماعية، وتأجيل غير مبرر لمعاناة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار.
فالكرامة لا تُؤجَّل، والمعاشات لا تعيش على الوعود.
عبدالعزيز رجاء، الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب