السبت 18 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: عمر بنجلون الثائر القوي والمفكر الاشتراكي بامتياز

صافي الدين البدالي: عمر بنجلون الثائر القوي والمفكر الاشتراكي بامتياز صافي الدين البدالي

تحل علينا ذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون، التي تصادف 18 دجنبر من كل سنة، الذكرى التي لا تقبل النسيان أو الطمس أو المغالطة في خضم تناسل الأحداث وظهور أصوات تحاول تغطية ماض مؤلم، ماض عنوانه الجمر والرصاص، بتمجيد الخيانات ورموزها والجلادين والقتلة وناهبي المال العام وثروات البلاد.

 

في مثل هذا اليوم نظمت عملية اغتيال الشهيد عمر بنجلون أمام بيته، ظهيرة 18 ديسمبر 1975. لقد امتدت له أيادي الغدر القذرة والمسخرة من طرف القوى الظلامية تحت غطاء مخزني لطعنه من الخلف بسكاكين أعدت لارتكاب الجريمة. سقط حينها شهيدا، شهيدا، شهيدا. إنه أول شهيد يستهدفه الإرهاب الديني الذي سيصيب كل رموز التحرير في المغرب وفي البلدان العربية.. ففي مصر تم اغتيال فرج فودة في 1992، لأنه كان يعارض بقوة الإخوان المسلمين في مصر، الذين كانوا يسعون إلى الدولة الإسلامية ولو بالدم، وهو بالمقابل يرفع شعار الدولة العلمانية؛ وفي 19 ماي من سنة 1987 اغتال مسلحون القيادي الشيوعي وأستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية الدكتور حسن حمدان، المعروف أيضا باسم مهدي عامل، الذي كان مناهضا لكل دور يمكن أن يلعبه "الإسلام السياسي". كما تم اغتيال حسين مروة برصاص "حزب الله"، في 17 فبراير 1987، وكان عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني... كل شهيد سقى دمه أرض بلاده بفعل الإرهاب الديني، كما سقى دم عمر أرض البيضاء فاهتزت دروبها وأحياؤها حزنا على فقيد الطبقة العاملة ورمز التحرير والديمقراطية الاشتراكية. لقد قتلوه لأنهم لم يستطيعوا الرد على أفكاره التي تستمد قوتها من واقع مزري بسبب الاختيارات اللاشعبية واللاديمقراطية، فكان ردهم هو التصفية في بلاد لا تعرف إلا التصفية الجسدية لكل صوت حر ومعارض.. قتلوه وقتلوا معه الأمل الديمقراطي وأمل استكمال تحرير الأراضي المغتصبة في جنوب المغرب وفي شماله؛ وقتلوا معه صوت فلسطين التي ظل يربطها بالتحرير وحقوق الشعب الفلسطيني في الاستقلال من الاستعمار الصهيوني. إنه الزعيم الذي كان يعطي للحظة قيمتها في التفكير وفي التحليل مستدلا بالتجارب وتجليات الواقع الملموس وبتاريخ حركة التحرر العالمية. لقد تشبع منذ طفولته وهو تلميذ بحق الشعب المغربي في استقلاله وحقه في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي. ولما انتقل إلى فرنسا لإتمام دراسته انخرط في منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وترأس سنة 1959ـ1960 جمعية طلبة  شمال إفريقيا، فكان من المدافعين  عن استقلال الجزائر وبناء المغرب الكبير، ومن المدافعين عن القضية الفلسطينية. كان لا يقبل الفراغ النضالي، فلما عاد  إلى المغرب في يونيو 1960 وأسندت له مسؤولية جهوية في البريد بالدار البيضاء،  انشغل بالعمل النقابي في جامعة البريد التابعة للاتحاد المغربي للشغل، باعتماد الخطوات الأولية للتأسيس، أي التكوين والتنظيم والتوعية والارتباط بالطبقة العاملة لتحقيق التغيير والبناء الديمقراطي.. حينها اصطدم مع قيادة الاتحاد المغربي للشغل لما اكتشف بأنها زاغت عن النهج الديمقراطي للطبقة العاملة وتحولت إلى نقابة تربي على الانتهازية والاستغلال والانحياز للباطرونا، لأنه كان لا يعرف معنى المساومة أو الانتهازية أو المزايدة.  ومن خصائصه النضالية  تقدير المرحلة ومتطلباتها، ولذلك  التحق بالمحاماة اقتناعا منه بأن المرحلة كانت تتطلب الدفاع عن المعتقلين السياسيين والتضامن مع عائلاتهم. وفي يناير 1975 انتخب عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، فكان المناضل الثوري الذي أعطى  لمفهوم الاشتراكية العلمية دلالتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مما جعل محاضراته تقلق خصوم الديمقراطية وأعداء الاشتراكية، لأنه استطاع أن يبين  الربط  الجدلي بين التحرير والديمقراطية والاشتراكية وسبل بناء الدولة الحديثة، باستكمال مرحلة التحرير والبناء الديمقراطي، أي السبيل إلى بناء المجتمع الاشتراكي.

لذلك تم اغتياله على يد عناصر من الشبيبة الإسلامية، الأمر الذي فسره البعض محاولة إعطاء صبغة الاغتيال نتيجة تناحر بين الاتحاد الاشتراكي وهذا التنظيم. ولتوهيم الرأي العام تم اعتقال المدعو إبراهيم كمال واتهام عبد الكريم مطيع المؤسس لهذا التنظيم، وتمت تبرئة كمال من طرف غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 18 سبتمبر 1980.

 

ذلك هو عمر بنجلون الثائر القوي والمفكر الاشتراكي بامتياز والمضحي من أجل شعبه ووطنه.

 

- البدالي صافي الدين، فاعل سياسي