الجمعة 9 يناير 2026
اقتصاد

الشرقاوي: لماذا ومتى يمكن للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يحجز على أموال طبيب ممارس في القطاع الخاص

الشرقاوي: لماذا ومتى يمكن للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يحجز على أموال طبيب ممارس في القطاع الخاص الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي
في بداية سنة 2026، فوجئت طبيبة تمارس عملها بكل جدية وانتظام، بإجراء حجز غير متوقع على حسابها من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
 حادثة أثارت الكثير من التساؤلات والقلق داخل صفوف الأطباء، ودَفعت إلى طرح موضوع يجهله عدد كبير من المهنيين.
 
هذا الملف يهدف إلى توضيح الظروف التي يمكن فيها للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يلجأ إلى الحجز، حتى في الحالات التي يعتقد فيها المعنيون أنهم أوفوا بكل التزاماتهم.
 
الحجز على الأموال من طرف الصندوق قد يبدو صادماً، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخص يؤدي واجباته بانتظام.
لكن في الواقع، هذا النوع من الحالات ليس نادراً، ويمس عدداً من المهنيين الأحرار، ومن بينهم الأطباء.
 
في أغلب الأحيان، لا يكون سبب الحجز هو التهرب أو سوء النية، بل خلل إداري أو سوء فهم في تدبير الملفات.
فالصندوق يمكنه الشروع في مسطرة الحجز بمجرد اعتباره أن هناك ديناً مستحق الأداء. هذا الدين لا يرتبط دائماً بعدم الأداء الفعلي.
 
كثيراً ما تُؤدى الاشتراكات تحت رقم انخراط خاطئ، أو على حساب قديم، أو باسم مهني لم يعد معتمداً.
في هذه الحالات يكون المال قد دُفع فعلاً، لكنه لا يُحتسب في النظام المعلوماتي، فيظهر وكأن هناك متأخرات غير مؤداة.
 
في حالات أخرى، يتعلق الأمر بديون قديمة كان الطبيب يعتقد أنه سوّاها منذ سنوات..مبالغ صغيرة في الأصل، تتحول مع مرور الوقت إلى ديون ثقيلة بسبب الغرامات والتعويضات عن التأخير. ويكتشف المهني الحجز فجأة، رغم اعتقاده أنه في وضعية قانونية سليمة.
 
كما يمكن أن يحدث الحجز بعد عملية مراقبة تقوم بها مصالح الصندوق. حيث يتم اعتبار بعض التصريحات غير كاملة، أو أن أساس احتساب الاشتراكات غير دقيق.
 
فتُطالب المؤسسة بالفارق مرفقاً بغرامات، ويُصنف ذلك كدين، حتى وإن كانت المدفوعات السابقة قد تمت بحسن نية.
 
ومن أكثر مصادر النزاعات شيوعاً، الخلط بين الأداء والتصريح.
قد يتم أداء الاشتراك، لكن نسيان تصريح شهري واحد أو تأخيره يكفي قانونياً لخلق وضعية غير نظامية. بالنسبة للصندوق، غياب التصريح يعادل وجود دين، حتى وإن كان المبلغ قد تم تحويله.
 
تلعب التغيرات المهنية أيضاً دوراً كبيراً في نشوء هذه الإشكالات.
إغلاق عيادة دون إشعار رسمي، تغيير العنوان، تعديل الوضع القانوني أو توقيف مؤقت للنشاط، كلها عوامل قد تؤدي إلى استمرار احتساب اشتراكات لا تعكس الواقع.

وتتحول هذه المبالغ إلى متأخرات إدارية لكنها تظل قابلة للتحصيل قانونياً.
في بعض الحالات، يتم الحجز بعد توجيه إنذارات لم يتوصل بها المعني بالأمر.
قد تُرسل المراسلات إلى عنوان قديم أو لا تصل إطلاقاً.

فيكتشف الطبيب الحجز دون أن تُمنح له فرصة الدفاع عن نفسه أو تسوية وضعيته في الوقت المناسب.
عند الأطباء الممارسين في القطاع الخاص، تبقى الحدود بين الذمة المالية الشخصية والنشاط المهني غير واضحة أحياناً. فقد يتم الحجز على حساب شخصي بسبب دين مرتبط بالممارسة المهنية، وهو ما يضاعف الإحساس بالظلم وسوء الفهم. أمام حجز يُعتبر غير مبرر، تبقى الخطوة الأولى هي طلب بيان مفصل للوضعية من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

من الضروري التحقق من الفترات المعنية، والمبالغ المطلوبة، والغرامات المطبقة، مع جمع كل وثائق الأداء المتوفرة.

بعد ذلك، يجب تقديم شكاية مكتوبة لدى الوكالة المختصة، مع طلب تعليق مسطرة التحصيل إلى حين دراسة الملف.
وفي الحالات المعقدة، قد يكون اللجوء إلى محاسب أو محامٍ خطوة مفيدة للدفاع عن حقوق المنخرط.
 
لكن بعيداً عن الجوانب القانونية، تطرح هذه الوقائع إشكالاً أعمق يتعلق بثقة المهنيين في المؤسسات. 
فعندما تجد طبيبة جادة ومنتظمة في عملها نفسها أمام حجز مفاجئ، لا يكون الأمر مجرد نزاع إداري .
بل يصبح مساساً بالأمان المهني، وبالطمأنينة الشخصية، وبكرامة نساء ورجال يكرسون حياتهم لخدمة الآخرين .