تعاني ساكنة المناطق الجبلية في المغرب من أوضاع إنسانية واجتماعية صعبة تتفاقم بشكل كبير خلال فصل الشتاء، حيث تتحول برودة الطقس القاسية إلى تحدٍّ يومي يهدد شروط العيش الكريم. فمع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة وتساقط الثلوج بكثافة، تصبح الحياة في هذه المناطق أكثر هشاشة، خاصة في ظل انتشار الفقر ومحدودية الإمكانيات وضعف البنيات التحتية الأساسية.
وتزيد صعوبة التضاريس الجبلية من حدة هذه المعاناة، إذ تؤدي الثلوج والانهيارات الأرضية إلى قطع الطرق والمسالك، مما يفرض عزلة شبه تامة على العديد من الدواوير لأسابيع طويلة.
هذه العزلة لا تعيق فقط تنقل السكان، بل تحرمهم من الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والأسواق، وتؤخر عمليات الإغاثة والتدخل في الحالات الاستعجالية، وهو ما يضاعف المخاطر التي تواجه الفئات الهشة، خصوصًا الأطفال والمسنين.
ويُعد مشكل التدفئة من أبرز الإكراهات التي تعاني منها ساكنة المناطق الجبلية، حيث يعتمد معظم السكان على حطب التدفئة كمصدر أساسي للتدفئة، في ظل غياب بدائل ناجعة. غير أن هذا الاعتماد المكثف يطرح إشكالات بيئية خطيرة، من خلال الاستنزاف المتواصل للغابات، إضافة إلى المخاطر الصحية المرتبطة بالدخان داخل المنازل، ناهيك عن الأعباء الجسدية والاقتصادية التي تتحملها الأسر في جمع الحطب أو اقتنائه.
وأمام هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى اعتماد بدائل ناجعة ومستدامة للتدفئة، مثل الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، وتحسين الولوج إلى وسائل تدفئة نظيفة وآمنة. كما أن إعادة التفكير في تصاميم البناء بالمناطق الجبلية يشكل رافعة أساسية للتخفيف من آثار البرد، عبر اعتماد مواد عازلة للحرارة، وتصاميم معمارية تراعي الخصوصيات المناخية والمجالية، بما يضمن النجاعة الطاقية وراحة السكان.
إن تحسين أوضاع ساكنة المناطق الجبلية يقتضي مقاربة شمولية تدمج البعد الاجتماعي والبيئي والمجالي، وتنتقل من الحلول الظرفية إلى سياسات عمومية مستدامة، تكفل الكرامة الإنسانية وتُعزز صمود هذه الفئات في مواجهة قساوة المناخ والطبيعة.

