في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب، لم تعد الرياضة قطاعًا هامشيًا أو مجرد فضاء للتنافس والترفيه، بل تحولت إلى رافعة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها التنمية الاقتصادية بالاندماج الاجتماعي، وتتشابك فيها السياسة العمومية بالرهان الحقوقي. فالملاعب اليوم ليست فقط منصات للنتائج والألقاب، وإنما مسارح رمزية تُقاس فيها درجة نضج المجتمع، ومصداقية الخطاب الإعلامي، وقدرة الدولة على ترجمة التزاماتها الحقوقية إلى ممارسات ملموسة.
إن انخراط المغرب في تنظيم كأس إفريقيا للأمم، واستعداده للمشاركة في احتضان كأس العالم لكرة القدم 2030، يضعه أمام اختبار من نوع جديد؛ اختبار لا يقتصر على الجاهزية التقنية أو البنية التحتية، بل يمتد إلى عمق المنظومة القيمية التي تؤطر الفعل الرياضي والإعلامي. فالتظاهرات الرياضية الكبرى، في السياق الدولي الراهن، أصبحت فضاءات مكشوفة لتدقيق عالمي صارم، حيث تُرصد التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويُقاس النجاح بمدى احترام حقوق الإنسان داخل الملاعب وخارجها، وفي الخطاب المرافق لها قبل صافرة البداية وبعدها.
في هذا الإطار، تبرز أهمية مواكبة المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان لهذه الاستحقاقات، ليس بمنطق ردّ الفعل، بل بمنهج استباقي يعكس وعيًا مؤسساتيًا بأن الرياضة، بما تحمله من شحنة عاطفية وجماهيرية، قد تتحول – إذا لم تُؤطَّر – إلى مجال خصب لانتشار العنف اللفظي، وخطابات الكراهية، والتمييز على أساس الانتماء أو اللون أو اللغة أو الرأي. وهو ما يجعل من الإعلام الرياضي حلقة مركزية في هذه المعادلة، إما كفاعل وقائي ومسؤول، أو كعنصر مضاعِف للاحتقان.
فالخطاب الإعلامي الرياضي لا يُنتج فقط أخبارًا أو تحليلات تقنية، بل يساهم في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الرموز، وتوجيه الانفعالات الجماعية. وعندما يغيب البعد الحقوقي عن المعالجة الصحفية، تتحول المنافسة الرياضية من فضاء للتسامح والتلاقي إلى ساحة لتطبيع الإقصاء والتحريض، بما يفرغ الرياضة من رسالتها التربوية والاندماجية. من هنا، يصبح ترسيخ احترام حقوق الإنسان في الممارسة الصحفية ضرورة مهنية وأخلاقية، وليس مجرد التزام شكلي أو ظرفي مرتبط بحدث دولي عابر.
ضمن هذا السياق، يكتسي الدليل الذي أعدته المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان دلالة خاصة، باعتباره محاولة جادة للانتقال من الخطاب العام إلى الفعل المؤطر، ومن النوايا الحسنة إلى آليات عملية واضحة. فهذا الدليل لا يستهدف تقييد حرية الصحافة أو فرض وصاية على العمل الإعلامي، بل يسعى إلى توفير مرجعية مهنية تساعد الصحفيين والفاعلين في الحقل الرياضي على التوفيق بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية، وبين حق الجمهور في المعلومة وواجب احترام الكرامة الإنسانية.
إن الرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، هو جعل الرياضة فضاءً لتعزيز الثقة المجتمعية، وتقوية الشعور بالانتماء، وإبراز النموذج المغربي في تدبير التعدد والاختلاف. فنجاح المغرب في هذه المحطات الرياضية الكبرى لن يُقاس فقط بعدد المباريات أو جودة التنظيم، بل بقدرته على تقديم تجربة رياضية إنسانية، نظيفة من العنف والكراهية، وغنية بقيم الاحترام والتسامح. وهنا بالضبط، يتحول الإعلام من ناقل للحدث إلى شريك استراتيجي في صناعة المعنى، ومن شاهد محايد إلى فاعل أساسي في بناء صورة وطن يراهن على الرياضة كقوة ناعمة ورافعة حقوقية في آن واحد.