لم تكن لينا تعلم، وهي تدخل مصحة خاصة بالدار البيضاء طلبًا للعلاج، أن المرض سيكون أهون ما ستواجهه. إنها شابة مغربية تحمل الجنسية الهولندية، جاءت في زيارة قصيرة، فوجدت جسدها محاصرًا بفواتير تتضخم، وبأبواب لا تُفتح إلا بالحساب.
لا ينبغي أن تُقرأ واقعة "لينا" باعتبارها حادثاً استثنائيًا انتهى بخروج صاحبة القصة من المصحة، بل هي لحظة انكشاف لمنطق اشتغال بنيوي راسخ، لا يظهر إلى العلن إلا حين يصطدم بعائق غير مألوف. في هذه الحالة، لم يكن العائق رقابة مؤسساتية أو ضميراً مهنياً، بل كان نظام تدقيق أجنبي وفضحاً إعلامياً تجاوز الحدود.
من المعلوم أنه منذ اللحظة الأولى، لا تتعامل بعض المصحات الخاصة مع المريض باعتباره جسداً هشاً يحتاج العناية، بل كـملف مالي قيد الاستثمار. يبدأ العلاج، نعم، لكنه يسير بالتوازي مع حسابات من نوع آخر: إلى أي حد يمكن لهذا الجسد أن يُدرّ أرباحا؟ وحين تتضخم الفاتورة، تتوقف عن كونها وثيقة طبية تبرر مسار العلاج، لتتحول إلى أداة ضغط، وإلى صكّ احتجاز.
إن الانهيار الفجّ في قيمة الفاتورة العلاجية، دون أي مبرر طبي معلن، لا يمكن اعتباره تفصيلاً تقنيًا عابرًا، بل هو جوهر الفضيحة. فلو كانت الفاتورة مبنية على بروتوكولات علاجية دقيقة وتكاليف فعلية، لما كانت قابلة لهذا القدر من التفاوض والتخفيض. نحن هنا أمام اعتراف ضمني بأن التسعير لا يخضع لمنطق العلاج، بل لموازين القوة، وأن الفاتورة ليست كلفة صحية بقدر ما هي سقف ابتزاز قابل للهبوط عند الانكشاف. يتوقف الإشكال عند حدود الفوترة والاحتجاز، بل يمتد ليشمل طبيعة المسار العلاجي نفسه. فقد أُثيرت، وفق تصريحات العائلة، تساؤلات مقلقة حول جدوى بعض الأدوية التي كانت تُعطى للمريضة خلال فترة إقامتها بالمصحة، وحول ما إذا كان العلاج يستهدف التعافي الفعلي أم يكرّس حالة مرضية مطوَّلة تبرر استمرار الإقامة وتضخم الفاتورة. هذا المعطى، وإن ظل في حدود التساؤل المشروع إلى أن تقول الجهات المختصة كلمتها، يفتح بابًا أخلاقيًا خطيرًا: حين يغدو الزمن العلاجي نفسه جزءًا من منطق الاستثمار، ويصبح الشفاء المبكر خيارًا غير مربح.
والأخطر في هذه الواقعة هو تحويل المصحة إلى فضاء سيادي مصغر يمارس سلطة الحرمان من الحرية بلا تفويض قانوني. لم يصدر هنا الاحتجاز عن قاضٍ، بل عن إدارة محاسباتية قررت أن يظل الجسد رهينة إلى أن تتم التسوية. يمتد هذا المنطق ليشمل ممارسات أصبحت عرفاً في هذا القطاع، وعلى رأسها شيك الضمان. فرغم أن القانون الجنائي جزم ببطلانه وتجريمه، إلا أن المصحات تفرضه كشرطٍ إلزاميٍّ للعبور نحو سرير العلاج. في هذه اللحظة، يسقط القناع الطبي لتظهر المصحة كـمؤسسة ائتمانية ترهن حرية المواطن بورقة شيك، تماماً كما رُهنت لينا بين جدران المصحة.
إن ما كشفته واقعة لينا يميط اللثام عن بنية استغلال قائمة على استثمار ضعف الإنسان في أكثر لحظاته حرجاً. فالمصحة هنا لا تمارس ضغطاً مالياً فحسب، بل تمارس ابتزازاً وجودياً؛ حيث يتحول المريض من ذات لها حق في الحياة إلى رهينة في صراع الأرقام. هذا الاستقواء يجد مبرره في غياب المحاسبة الرادعة، مما جعل بعض المصحات تجري حسابات المخاطر والربح؛ فمادامت الأرباح المحصلة من الفواتير المنفوخة تفوق بكثير كلفة أي غرامة محتملة، فإن الفساد يتحول إلى خيار اقتصادي مربح. تتجلى المفارقة الصارخة في تلك المؤسسات التي تزاوج بين امتلاك أحدث التقنيات العلمية وبين التدبير بعقلية المرابحة واحتجاز الرهائن، لتكشف بمرارة كيف يمكن لحداثة الواجهات أن تتعايش مع أقسى صور التخلف القيمي.
لو كانت لينا مواطنة لا تملك تأميناً أجنبياً، لظلّت قصتها طي الكتمان. لم ترفض شركة التأمين الهولندية الأداء بدافع أخلاقي، بل لأنها اشتغلت وفق معايير تدقيق دقيقة ترفض الفواتير المنفوخة غير المبررة علمياً. وتتجلى صورة العبث في كون الفضيحة لم تنفجر نتيجة يقظة داخلية، بل جراء اصطدام المنظومة المحلية بنظام تدقيق خارجي صارم يرفض التوافقات السائدة لدينا.
إن ما يُمارس يومياً على المواطنين يظل غير مرئي لأنه لا يواجه آليات تدقيق حقيقية، بل يواجه مواطناً وحيداً ومذعوراً أمام هيبة الوزرة الطبية البيضاء. كما أن اضطرار العائلة للجوء إلى سلطة الإحراج عبر وسائل الإعلام بعد انسداد كافة القنوات الرسمية، يضعنا أمام مؤشرٍ جليّ على إفلاس آليات الوساطة المؤسساتية، حيث لم يكن خروج لينا انتصاراً للمسطرة القانونية بل كان نتيجة الضغط العلني. لقد أدى الإعلام دور الدولة، لكن السؤال الحارق يبقى: ماذا عن الذين لا يملكون صوتاً؟ ماذا عن الذين لا يدركون أن الاحتجاز لسبب مدني هو جريمة مكتملة الأركان؟
في العمق، نحن أمام تحول بنيوي أعاد تعريف وجود المصحة الخاصة داخل المنظومة الصحية. لم تُدمج بوصفها مرفقًا مكملًا يضمن الحق في العلاج، بل جرى استحضارها كاستثمار مالي خاضع لمنطق السوق وحده. وحين يطغى منطق العائد على الاستثمار، يتحول المريض إلى زبون مرتهن، ويغدو العلاج مجرد ذريعة لتسعير الجسد وتحويل الألم إلى أصل مالي. قصة لينا انتهت بخروجها الفيزيائي من أسوار المصحة، لكنها تظل مجرد قمة جبل الجليد، كاشفة عن واقع مسكوت عنه، ومخلِّفة سؤالًا لا يمكن تأجيله: كم من الأجساد ما زالت محتجزة بصمت، أو مرتهنة بشيكات ضمان قسرية، في انتظار نظام تدقيق وطني لم يحن أوانه بعد؟