الجمعة 12 أغسطس 2022
كتاب الرأي

عبد الالاه حبيبي: مدرسة الطفل مؤجلة باستمرار

عبد الالاه حبيبي: مدرسة الطفل مؤجلة باستمرار عبد الالاه حبيبي
لا يعقل أن نقدم للتلاميذ نصوصا مكتوبة بلغة تفوق مداركهم ، ونطلب منهم أن يتفاعلوا معها وان يفهموا مقاصدها بسرعة، وأن يستوعبوا كل معاني فقراتها، وكأنها كتبت لهم، ولأجلهم، في حين هي نصوص كتبها أصحابها لأهداف أخرى، للإجابة عن إشكالات ذات صلة بجدالات فكرية، أوسياسية، أوإيديولوجية،  نصوص لم يفكر كتابها قط أنها ستكون مستعملة في تمرين الصغار على فعل القراءة في  سلك الابتدائي...
مواضيع هذه النصوص تفوق بكثير العمر العقلي للأطفال، تسطو على القدر الضئيل من قدراتهم العقلية الأولية، تفرض على المدرسين مجهودا كبيرا لأجل تقريب معانيها، وشرح مفرداتها ومصطلحاتها الدسمة... مواضيع في غاية التجريد العقلي على غرار "الحضارة، الثقافة، الهوية، القيم الكونية..." هل تلميذ الابتدائي يمتلك الاستعداد المعرفي للتعاطي مع هذه القضايا الجدالية... ما علاقته بهذه المواضيع، ما علاقة اهتماماته بهذه الأسئلة البعيدة جدا عن عالمه الطفولي الخاص...  مجرد تعذيب مرضي ملفوف في مبررات بيداغوجية غير مؤهلة لتحقيق أي فعل تعليمي تعلمي إيجابي في مجال تيسير تعلم اللغات بطريقة تلائم عمر ومدارك الصغار...
كل المواد المعرفية لم تتم غربلتها، ولا إعادة كتابتها بطريقة بيداغوجية لتصبح بالفعل نصوصا مدرسية تلائم المستوى العقلي للتلاميذ بالسلك الابتدائي، من هنا تتشكل المعيقات الكبرى التي تحول دون اكتساب اللغات التي ينبغي أن يتعلمها التلميذ وفي الوقت نفسه أن يتعلم بها مواد دراسية أخرى ، ولعمري هي مفارقة عجيبة نادرة الحصول في أغلب المجتمعات المدرسية العالمية...
المطلوب هو خلق تنافس بين المعنيين بالكتب المدرسية لأجل إعادة كتابة النصوص بلغة تناسب المستوى الإدراكي للتلاميذ، وهذا عمل نوعي وشاق، ويفترض أخصائيين وليس هواة في مجال نقل النصوص من الكتب العالمة إلى الكتب المدرسية... لعل بوكماخ رحمه الله كان على بينة من هذا الأمر، ولهذا أبدع ونسج قطعا لغوية ونصوصا ساهمت بشكل كبير في تقريب اللغة من المتعلمين، وتحبيبها دون عنف مصطلحاتي أو بلاغة معقدة....
دون الحديث عن مشكلة عظمى تتعلق بوهم كبير أيضا يؤدي إلى فشل ذريع في اكتساب اللغات المدرسية، أي العربية والفرنسية، سؤال عريض، قديم، مزمن، لكنه مؤجل باستمرار بحكم التقاطبات الأيديولوجية التي تحكم النسيج السياسي ببلادنا، يتعلق الأمر بالسؤال التالي: هل يتعلم الطفل المغربي بلغته الأم، أم بلغات لا يتعرف عليها إلا لحظة تمدرسه؟... ماهي لغة الأم لدى طفلنا؟ هناك من يكره هذه الأسئلة سيكولوجيا فقط، لأنها متعبة، ومشوشة، وتقلب الطاولات على أصحاب الحلول السهلة، لكنها الحقيقة المؤجلة والوجبة المؤدلجة...