الثلاثاء 25 يناير 2022
كتاب الرأي

يونس التايب: في الحاجة إلى إحياء عمل حزبي جاد

يونس التايب: في الحاجة إلى إحياء عمل حزبي جاد يونس التايب

جرت العادة أن تستفيد كل حكومة جديدة من فسحة ثقة خلال المائة يوم الأولى بعد تعيينها، قبل أن يشتد حولها طوق الانتقاد، الشعبي والحزبي، ويبدأ رصيد الثقة في التآكل شيئا فشيئا، بسبب اختيارات وأولويات وقرارات قد لا تلقى من المواطنين الرضا والتفاعل الإيجابي المأمول. لكن، يبدو أن الحكومة الجديدة برئاسة السيد عزيز أخنوش، وجدت نفسها مباشرة في قلب جو ما بعد "المائة يوم"، قبل الآجال الطبيعية. ويشهد على ذلك، تراكم احتجاجات صاخبة في عدة مدن، في البداية بسبب قرار فرض إلزامية جواز التلقيح الذي لم يرافقه من تواصل موفق يطمئن الناس ويخلق التعبئة، ومؤخرا بسبب قرار تسقيف سن الولوج لاجتياز مباريات التدريس في 30 سنة الذي أغلق أحد أبواب الأمل أمام آلاف الشباب وجعل الأسر تدخل في حالة من القلق من المستقبل. وبين المحطتين شهدنا محطات من التعبير عن الغضب بسبب ارتفاع صاروخي لأسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية بشكل أنهك ذوي الدخل المحدود والفئات الهشة. كما تابعنا السجالات المستمرة في مواقع التواصل الاجتماعي بشأن أمور متعددة، منها أداء بعض أعضاء الحكومة الذين لم يحوزوا رضا المتتبعين، إما بسبب تصريحات أو بعض مواقف.

 

والمستغرب هو أن تحول مزاج الرأي العام، صاحبه تغير خطاب عدد كبير من وسائل الإعلام الإلكترونية ومن "المؤثرين" الذين كانوا، قبل الانتخابات، مصطفين بشكل قوي إلى جانب حزب رئيس الحكومة وبرنامجه الانتخابي الذي وعد الناس بإنجازات مهمة. وربما كان البعض يعتقد أن تنفيذ الالتزامات سينطلق غداة تعيين الحكومة، وهو أمر غير ممكن في كل الحالات لأسباب موضوعية مختلفة. ولعل ذلك هو ما خلق جوا عاما سلبيا يطبعه عدم الرضا ومن الانتقاد من طرف فاعلين سياسيين عديدين، عكسته مواقع التواصل الاجتماعي التي عززت أجواء التوتر وأظهرت تعابير خيبة أمل من حكومة انتظرها الناس ولم يفرحوا بها.

 

وما يدعو للاستغراب الشديد، أن منحى الانتقاد السلبي تصاعد بشكل سريع، مستبقا حتى استكمال المصادقة البرلمانية على قانون مالية سنة 2022، وما يتيحه من ميزانيات قطاعية يمكن أن تمنح الوزراء هوامش للعمل في المشاريع التي التزموا بها. وبالتأكيد، يطرح التحول السريع من حالة الدعم والرضا إلى حالة التسفيه والانتقاد، أكثر من علامة استفهام حول ماهيته ودلالاته وأسبابه العميقة، الذاتية والموضوعية. كما يطرح، أيضا، تساؤلات بشأن عدم تأطير أحزاب الأغلبية الحكومية للنقاشات العمومية التي برزت في الساحة منذ الانتخابات الأخيرة، لمعرفة هل هي عدم رغبة؟ أم عدم قدرة؟ أم عدم انتباه لأهمية الدفاع عن حكومتها وعن اختيارات وزرائها، أمام معارضة الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي التي لم تكن متوقعة بهذه السرعة، وفي هذا التوقيت بالذات؟

 

في اعتقادي، ما يجري من تعبيرات مجتمعية يلزم كل الديمقراطيين بالتعامل معها باحترام لأنها تعكس حيوية حقيقية وتحمل آراء المواطنين التي لا يمكن للأحزاب أن تتجاهلها أو تستصغر أثر مضمونها على المدى المتوسط والبعيد، ولأنها تجل من تجليات الممارسة الديمقراطية والحرية المكفولة دستوريا في بلادنا. بموازاة ذلك، يتعين على أحزاب الأغلبية أن تلتقط الإشارة بجدية بالغة، وتخرج من حالة الانتشاء بفوزها الانتخابي وتطوي صفحة ديناميكية "ما بعد الانتخابات" (تدبير مفاوضات تشكيل للحكومة، وضغط إعداد قانون مالي جديد)، وتعود إلى إحياء الفعل السياسي الذي يرتكز على تنظيمات وهيئات ومنتديات حزبية تقوم بأدوارها التأطيرية كاملة. وأظن ذلك مستعجلا لسببين اثنين، على الأقل، هما:

 

1- مسؤولية أحزاب الأغلبية في تتبع عمل الحكومة، وتأطيره من منطلق سياسي وتواصلي، إما مساندة أو انتقادا أو تقويما أو تصحيحا وتصويبا.

2- ضرورة ممارسة أدوار التأطير السياسي للمواطنين، وفتح نقاش مع الناس حول واقعهم، والاشتغال إلى جانبهم بشأن مستجدات الوضع العام، واتخاذ مواقف سياسية تواكب النقاشات العمومية التي تعرفها الساحة الوطنية، بشأن ملفات اجتماعية ضاغطة، أصبح بعضها يثقل كاهل الفئات الهشة.

 

في هذا السياق، تقتضي المسؤولية من كل الأحزاب، ومن أحزاب الأغلبية الحكومية بصفة خاصة، تأطير السجالات القائمة في الساحة، وبلورة إجابات تتفاعل مع أسئلة الشارع، والبحث عن حلول للملفات التي توتر الأجواء بشكل غير ضروري، بأسلوب يحرص على تغليب الأفق التنموي الاستراتيجي الذي يتجاوز العمر الحكومي، ويستحضر المخاطر التي تستهدف مشروعنا الوطني، والمؤامرات الكيدية التي تسعى للنيل من حقوقنا المشروعة في ترابنا. في نفس الوقت، على أحزاب الأغلبية التعاطي بإيجابية مع الانتظارات المجتمعية المشروعة والمتنوعة، عبر عمل حزبي يتتبع السياسات العمومية، بخلفية سياسية تدعم الحكومة عندما يكون عملها جيدا، وتساندها عبر التواصل وتأطير المجتمع، أو تدعوها إلى تصحيح قراراتها واختياراتها، حين يكون ذلك ضروريا، أو حين يكون مستوى أداء بعض مكونات الحكومة، أقل من المستوى المطلوب.

 

تلك هي السبيل الأنجع، إذا كنا نرفض أن ينتصر الفراغ، ويعود التأطير السياسي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويعود العبث السياسوي والخطابات الشعبوية التي عهدناها خلال العشرية الأخيرة، التي لم تحل مشاكل الناس ولم تخفف عنهم معاناتهم، بل أنشأت أسباب الصخب السياسي والتسفيه وهدم الثقة وكسر جسور العمل الوطني التشاركي.

 

وحتى تنجح أتمنى الأحزاب في تأدية أدوارها، أتمنى أن تنتبه لأهمية فتح صفحة جديدة تتجاوز ديناميكية الفعل الحزبي التي تنطلق ستة أشهر قبل الانتخابات، ثم تنتهي مع صدور النتائج. المطلوب هو أن يتم التركيز على أهمية الفعل السياسي الميداني وتحريك العمل التنظيمي، وتفعيل الديمقراطية الداخلية لإفراز هيئات ومنظمات تسير بديناميكية المناضلين والكفاءات السياسية الحزبية التي يحترم فيها الناس أنها لم تغادر ساحات النقاشات العمومية،  ولم تسقط في منطق "التعبئة الانتخابية" اللحظية والمرحلية.

 

نحن في مرحلة وطنية تتميز بكثرة المشاكل وقوة التحديات وحقيقة وجود مقومات الأمل في انطلاقة تنموية ببلادنا، ولا خيار لنا سوى أن نستثمر في فعل سياسي يجمع بين الصدق والحكمة والارتباط بالمعيش اليومي للناس، حتى تتقوى قدرتنا على فرض إيقاع سياسي يؤطر ديناميكية الاحتجاج في الميدان كلما تجددت أسبابه. لذلك، أحزاب الأغلبية مدعوة إلى أن تحيي تنظيماتها ومنتدياتها ومنظماتها الموازية على أساس الكفاءة والاستحقاق، وعدم تهميش أطرها التي أثبتت نضاليتها وكفاءتها وصدق قدراتها السياسية، رغم "مجهود" تغييب بعضها من الصورة، ومن الفعل الحزبي التنظيمي، ومن الحصول على تزكيات للتنافس الانتخابي.

 

هذه هي الطريق الأسلم، إذا أردنا أن لا نساهم بأيدينا في إفشال التجربة الحالية، ونفشل في كسب رهان تحقيق انتصارات أخرى في المستقبل المنظور...