الجمعة 9 يناير 2026
كتاب الرأي

مريم المزوق: الرياضة… حين تتجاوز حدود اللعب إلى ذاكرة الشعوب

مريم المزوق: الرياضة… حين تتجاوز حدود اللعب إلى ذاكرة الشعوب الدكتورة مريم المزوق
ليست الرياضة مجرّد لعبة تُمارَس في الملاعب، ولا مجرد تسعين دقيقة من التنافس البدني، بل هي فضاء إنساني واسع يحمل في طياته رسائل ثقافية وتاريخية، ويعكس وعي الشعوب واحترامها لذاتها ولغيرها. فالرياضة، في جوهرها، لغة عالمية، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مرآة تكشف عمق المعرفة أو سطحيتها.
من بين الرموز التاريخية التي ما تزال حاضرة في وجدان القارة الإفريقية، يبرز اسم باتريس لومومبا، الزعيم الكونغولي ورئيس الوزراء الأول لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الاستقلال عام 1960. لم يكن لومومبا مجرد سياسي عابر، بل كان رمزًا للنضال ضد الاستعمار، وصوتًا قويًا للكرامة الإفريقية، دفع حياته ثمنًا لمواقفه الشجاعة في مواجهة الهيمنة والتدخل الأجنبي. اغتياله المبكر لم يُنهِ حضوره، بل جعله أيقونة للحرية والسيادة الوطنية.
مؤخرًا، تم تداول مشهد في أحد الملاعب بمدينة الرباط، حيث ظهر رمز مرتبط بباتريس لومومبا خلال مباراة كروية، في تصرف أثار نقاشًا واسعًا حول حدود التعبير داخل الملاعب، وحول الفرق بين استحضار التاريخ باحترام، أو توظيفه بشكل سطحي يفرغه من معناه العميق.
إن استحضار رموز الشعوب ليس أمرًا بسيطًا أو عابرًا. فهذه الرموز تمثل تضحيات وآلامًا وذاكرة جماعية، واحترامها يُعد من شيم الكبار، ومن صفات الواثقين بأنفسهم، والمتصالحين مع التاريخ، والواعين بتجارب الأمم الأخرى. أما إهانة الرموز أو استعمالها دون معرفة حقيقية بسياقها التاريخي، فليس إلا تعبيرًا عن جهل، وضعف في الثقافة، وأحيانًا عن عدم ثقة بالنفس.
وفي هذا السياق، لا بد من توجيه كل الاحترام والتقدير للمغرب، ملكًا وشعبًا، لما عُرف عنه من تقدير للرموز التاريخية الإفريقية، ومن تعامل راقٍ مع الذاكرة الجماعية لشعوب القارة. فالمغرب، بحضوره الإفريقي العميق، يدرك أن الرياضة يمكن أن تكون جسرًا للتقارب، لا ساحةً للاستفزاز أو الإساءة.
إن الملاعب يجب أن تبقى فضاءات للفرح والتنافس الشريف، لا منصات لتفريغ الجهل أو تشويه الرموز. فالتاريخ ليس زينة نرتديها عند الحاجة، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية، واحترامه يعكس رقي الأفراد والأمم.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأسمى:
الرياضة أخلاق قبل أن تكون نتائج، ووعي قبل أن تكون حماسًا، واحترام للذات وللآخر قبل أي انتصار.