الجمعة 9 يناير 2026
رياضة

عبد الرفيع حمضي: الكاف.. الملعب فضاء أخلاقي أولا

عبد الرفيع حمضي: الكاف.. الملعب فضاء أخلاقي أولا المشجع الكونغولي ( يمينا) مع رئيس الكاف
منذ انطلاق كاس افريقيا للامم بالمغرب، لم يكن الحدث رياضيا فحسب، بل تحول، بهدوء ودون ضجيج، الى اختبار عميق لمنظومات القيم والسلوك في الفضاء العمومي. فطريقة الاستقبال، وانماط التفاعل داخل الملاعب وخارجها، وخطاب الاعلام، كلها عناصر كشفت اكثر مما قالت النتائج فوق المستطيل الاخضر.
لقد انخرط المغرب، مؤسسات رياضية وادارة ترابية واجهزة امنية ومواطنين، في مجهود استثنائي لاستقبال الاشقاء الجزائريين وغيرهم في ظروف انسانية راقية، اتسمت بالاحترام وحسن التنظيم، وبوعي واضح بضرورة تحييد الخلافات السياسية عن الفضاء الرياضي. وبالتالي لم يكن ذلك سلوكا استعراضيا ولا دعاية ظرفية، بل ممارسة طبيعية شهد بها اعلاميون ومشجعون جزائريون، وعبروا عنها صراحة في وسائل الاعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
هذا المعطى مهم، ليس لانه يقدم بلادنا في صورة مثالية، بل لانه يذكر بان الرياضة قادرة، حين تدار بعقل بارد، على فتح هوامش انسانية وسط سياقات سياسية متوترة. غير ان هذه الصورة لم تخل من شوائب، فقد ظهرت هنا وهناك سلوكات فردية، سواء في بعض التعليقات الاعلامية او في تفاعلات رقمية مشحونة. وهي انزلاقات لا تمثل الشعوب، بقدر ما تعكس حالات احتقان او خطاب تعبئة راكمته عقود، او انفعالات لحظية.
غير ان الواقعة التي استدعت نقاشا اعمق، هي ما صدر عن بعض لاعبي المنتخب الجزائري خلال مباراة الجزائر والكونغو، حين تجاوز السلوك حدود التنافس الرياضي، وانحدر الى تصرفات لا تليق بلاعبين محترفين، ولا تحترم الجماهير المتعددة الجنسيات، ولا تنسجم مع القيم التي يفترض ان تحملها كرة القدم. هنا لا نتحدث عن انفعال جمهور او هتاف منفلت، بل عن سلوك صادر عن لاعبين يفترض فيهم الوعي والمسؤولية والقدوة.
في مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال مشروعا .هل السلوك فعل معزول، ام هو تعبير عن منظومة اوسع؟
علم الاجتماع السياسي يعلمنا ان السلوك العام لا يقرأ بوصفه رد فعل فرديا صرفا، بل كنتيجة لمسارات طويلة من التربية، ولخطابات سائدة تربى عليها الافراد، ولطريقة تدبير الاختلاف  .
وهنا تحضرني حكاية قديمة، رواها لي احد المغاربة الذين طردوا من الجزائر سنة 1975. قال لي انه كان في الخامسة عشرة من عمره، يلعب مباراة كرة قدم عادية  مع فريق حيه . وكانت مباراة شبابية بسيطة، بلا شعارات ولا خلفيات سياسية. فجاة، اقتحمت عناصر الامن الملعب، اوقفت اللعب، واقتادته بملابسه الرياضية كما هو، ليلتحق بمجموعة من المغاربة الذين جرى ترحيلهم قسرا. لم يمنح وقتا للعودة الى البيت، ولا لوداع الاصدقاء، ولا حتى لفهم ما يحدث. كانت الكرة في تلك اللحظة رمزا بريئا للعب، لكنها تحولت فجاة الى شاهد على عنف السلطة حين تقتحم فضاء من المفترض ان يكون محايدا.
لا اسوق هذه الحكاية لاستدعاء الجراح او لتغذية الذاكرة بالالم، بل لانها تكشف شيئا اعمق ،كيف يمكن للرياضة، حين تسحق تحت منطق القوة، ان تفقد معناها الانساني، وتتحول من مجال للعب والتلاقي الى فضاء للضبط والاخضاع. وبالتالي، فما رايناه في هذه المباراة ليس حدثا معزولا، بل صدى بعيد لمسارات طويلة من العنف الرمزي والمادي.
لفهم هذا البعد، لا بد من استحضار الخلفيات التاريخية والثقافية التي اسهمت، عبر الزمن، في تشكيل علاقة المجتمعات المغاربية بالفضاء العمومي وبالاختلاف. ففي المغرب، شكل جامع القرويين عبر قرون طويلة مرجعية علمية وروحية، لم تقتصر على انتاج المعرفة، بل ساهمت في ترسيخ قيم الاعتدال وضبط السلوك العام، وبناء علاقة خاصة بين السلطة والمجتمع. وفي تونس، اضطلع جامع الزيتونة بدور مماثل، بوصفه منارة فكرية وروحية اسهمت في تهذيب الخلاف وانتاج تقاليد مدنية في ادارة الاختلاف.
في المقابل، يشير عدد من المفكرين الى ان هذا النوع من المرجعيات الجامعة، ذات الاستمرارية التاريخية، لم يتجذر في الجزائر، لاسباب تعود الى طبيعة المسار التاريخي، وطريقة تشكل (الدولة الحديثة )بعد الاستقلال. وقد توقف المفكر  التونسي الكبير هشام جعيط عند هذه المسالة، مبرزا ان غياب مرجعيات علمية وروحية مركزية ذات تاثير ممتد، جعل المرجعية السياسية والعسكرية تطغى، في مراحل متعددة، على المرجعية الثقافية والاخلاقية.وبالتالي لا يمكن فصل هذا المعطى عن الدور المركزي الذي لعبته المؤسسة العسكرية في بناء الدولة الجزائرية الحديثة. فحين يصبح كل الفضاء العام   امتدادا للمؤسسة العسكرية في الوعي الجماعي، ينعكس ذلك، بشكل او باخر، على انماط التعبير والسلوك، وعلى طريقة ادارة الغضب والخصومة. ويشير بعض الباحثين الى ان جزءا من الثقافة العسكرية الموروثة، خصوصا عبر نموذج الجيش الانكشاري في العهد العثماني، كان قائما على الانضباط الصارم والعنف كاداة للضبط، وهو معطى تاريخي موثق لا يقصد به التعميم ولا الوصم، بل الفهم والتفسير.
هذا الارث، حين لا يعاد تاطيره داخل منظومة مدنية وثقافية موازية، وفي ظل غياب مرجعية روحية واخلاقية، قد يظهر احيانا في سلوكات رمزية او في لحظات انفعال جماعي، مثلما يقع في الملاعب او في الفضاءات المشحونة بالعاطفة.
ما كشفته هذه البطولة، اذن، ليس فقط مستوى التنظيم او النتائج، بل الفرق بين من ينظر الى الرياضة كفضاء اخلاقي يجب حمايته، ومن يتركها رهينة التوترات والخطابات التعبوية. وما قام به المغرب في هذا السياق لا ينبغي قراءته كانجاز يحتفى به، بل كمسؤولية اخلاقية يجب صونها وتطويرها، لان القيم، مثل الملاعب، ان لم تصن، تتاكل بصمت.
في النهاية، كرة القدم لا تصلح السياسة، لكنها تكشفها، وتظهر في لحظات مكثفة ما تحاول الخطابات اخفاءه كما ان السلوك، قبل ان يكون رد فعل، هو مرآة منظومة كاملة.