مع طلوع شمس كل يوم جديد، يأتينا خبر، بل يأتي الخبرُ العالمَ كلَّه، بأن الجزائر تُكيل اتهامات صارت يوميةً، كما الخبز والماء، لدولة من الدول، على اعتبار أن الجزائر هي الضحية الأبدية، وأن الدولة المتهَمة طالت "السيادة الوطنية للجزائر" بشكل أو بآخر، في أي مجال من المجالات، حتى التي لا يقبلها العقل ولا المنطق، مثل اعتبارها نشر الخريطة الكاملة، والمشروعة دولياً، للمملكة المغربية مساساً بالسيادة الوطنية لتلك الجارة !!
وهكذا صارت صبيحاتُنا الصيفية والخريفية والشتوية والربيعية شتاتاً شاذاً من الاتهامات المجانية، تجاه دول وأنظمة أغلبُها لا يكون لديه أساساً علمٌ بالموضوع الذي اتُّهِم من لدن الجزائر من أجله !!
قبل شهور غير قليلة، كان المغرب صاحب قصب السبق جهوياً وقارياً وعالمياً، ولا يزال، باعتباره "العدو الكلاسيكي" الذي لا يمكن، بل لا يجوز أن تأتي العداوة والاعتداءات إلا من جانبه، رغم أن المغرب لم يطرد مئات الآلاف من الجزائريين والجزائريات من ترابه في مسيرة "كحلة"، كتلك التي ابتدعها الرئيس الجزائري الهواري بوخروبة !!
والمغرب لم يَحتضِنْ ويُدعِّمْ بالمال والسلاح والرجال، وبالسفارات والسفراء، وبالمبعوثين الخاصّين والوزراء المفوّضين أدنى حركة من الحركات الانفصالية الجزائرية، مع أن الجزائر ملئى بهذا النوع من الحركات، وما أكثرها، شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً، ولا يجد نظامُها أيَّ حرجٍ في مد العون والسند لكل متمرّد على الشرعية في وطنه، من بين الأوطان التي للنظام الجزائري معها حدود، في شمال إفريقيا والساحل الإفريقي على السواء، وحتى في الجنوب الأوروبي، الذي يُلقي ذلك النظام إليه بين الحين والآخر آلاف النازحين الأفارقة بهدف ليّ أذرع بلدان أوروبا حتى لا تنحاز للأطروحة والموقف المغربيَّيْن المشروعيْن !!
والمغرب لم يقطع العلاقات الدبلوماسية مع تلك الجارة؛ ولم يقفل الحدود البرية والبحرية؛ ولم يحظر أجواءه على الطائرات الجزائرية !!
والمغرب لم يُخرج فلاحين صغار بسطاء من أراضيهم المنتسبة إليهم تاريخيا كما فعلت تلك الجارة في واحات العرجة، طمعاً في محاصيل من التمور المغربية الأصيلة، وإمعاناً في الإضرار بكل المنتسببن إلى هذا المغرب المترفّع والمتسامي، الذي ظل يستنكف ويربأ بنفسه وبتاريخه عن النزول إلى ذات الدرك الأسفل من سوء الجوار !!
والمغرب لم يجيّش حتى العنصر القبايلي الذي لديه كل مبررات الوجود الحُرّ والمتحرّر والمنفصل، باعتباره، كياناً وتراباً ورقعةً جغرافيةً وعنصراً إثنياً، من بين أقدم المستعمرات فوق هذا الكوكب !!
لكن المعضلة الآن تكمن في كون هذه العادة المتأصلة في كيل الاتهامات المجّانية للمغرب تارة، ولِجيرانه في الساحل الإفريقي تارةً أخرى، لم تقف عند هذا الحد، بل طالت دولا وأنظمة أخرى خارج المجال العربي والشمال إفريقي والقاري، لتطال على التوالي إسبانيا، وفرنسا، ثم ألمانيا، ثم بلجيكا، ثم الاتحاد الأوروبي بأتمّه، لمجرد وقوف كل هؤلاء على مسافة من الهرج والعبث الجزائريَّيْن، لأن نظام الجزائر يعتبر كل المواقف المتعاطفة، بل حتى المحايدة، بإزاء ملف الوحدة الترابية للمملكة المغربية محضَ مساسٍ بالسيادة الوطنية الجزائرية !!
باختصار، يكاد لسان حال تلك الجارة يقول للعالم بكل تبجّح، وبكل سوقية، وبكل استخفاف بالذكاء العالمي: "إن المغرب كله شأن جزائري لا دخل لأيّ رهطٍ فيه"، وكأن النظام الجزائري قادر على تحمل المسؤولية المترتبة عن هذا الموقف الدونكيشوتي المضحك، والعالم كله يعلم أن ذلك النظام أضعف عن تحمل تلك المسؤولية، وأجبن من أن يضع على عاتقه ما تشكّله من خطر حقيقي على وجوده، كل وجوده، لأنه في فَوْرة انشغاله بحمى التسليح، الخارجة عن سيطرته، لم ينتبه إلى أن المغرب أقدر منه بكل المعايير على ربح أيّ مواجهة يختارها ذلك النظام، في أي زمن يختاره، وبأي طريقة تُرشدُه إليها حماقاتُه وبهلوانياتُه !!
مناسبة إثارة هذه النعرات الجزائرية العبثية، والمستأثرة عن جدارة واستحقاق لسخرية المجتمع الدولي، داخل المنتظم الأممي وخارجه، ما سمح ذلك النظام به لبعض مواطنيه الذين حلوا بين ظهرانينا بمناسبة احتضاننا لنهائيات الدورة 35 من كأس الأمم الإفريقية، من إعلاميين ومن جواسيس منتحلين لصفة متفرجين، ومن شماكرية جاءوا إلى بلدنا المضياف لينثروا أوساخهم وأزبالهم فوق ترابنا الأنقى من بيوتهم، كذلك الذي لم يجد حرجا في التبوّل حِهاراً على كراسي ملعب مولاي الحسن بالرباط، أو ذلك الذي اختار حاويات القمامة والزوايا المظلمة، التي تشبهه، ليوجّه منها مراسلاته اليومية إلى مراحيضهم الإعلامبة، أو ذاك الآخر الذي جمع ثلة من المقرقبين وجعلهم يُسوّقون لشعارات عنصرية تنال من كرامة ضيوفنا الأفارقة... وكل ذلك العبث، بالرغم من كرم الضيافة المغربية التي بلغت شهرتُها عنان السماء، وطال ذكرُها العَطِر كل الآفاق... وبالرغم من كل ذلك تشتكي الجزائرُ من المغاربة وتتهمهم بسوء الضيافة والمعاملة !!
نهايتُه... أن ذلك النظام وأنا أخط هذه الارتسامات المهينة والمحزنة، يوجّه الآن اتهاماته كما هي العادة لماماه فرنسا، بكونها المسؤول الرئيسي عن إضرابات النقل التي تشهدها الجزائر في هذه الآونة، والتي اندلعت بسبب ارتفاع كلفة الوقود في بلد الوقود، بعد أن كانت هذه التهمة من نصيب المغرب قبل أيام قليلة فحسب !!
الجزائر تتهم الآن وفي آن واحد، كلاًّ من المغرب، وفرنسا، وإسبانيا، والاتحاد الأوروبي، ودولة الإمارات العربية، وإسرائيل... وحتى روسيا والصين، بكل المتاعب التي تفنن النظام الجائري في صنعها وترسيخها وتوطينها في معيشه اليومي...
فعلى مَن سيأتي الدور غدا وبعد غد؟.. عجبي !!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.
