الخميس 9 ديسمبر 2021
فن وثقافة

سعيد عاهد.. "طعم المربَّيات" أو بحثا عن "الفردوس" الذي حضن طفولة ومراهقة اليهود المغاربة

سعيد عاهد.. "طعم المربَّيات" أو بحثا عن "الفردوس" الذي حضن طفولة ومراهقة اليهود المغاربة سعيد عاهد مع صورة غلاف الكتاب المترجم

استضافت جريدة "أنفاس بريس" الكاتب والصحفي المترجم سعيد عاهد، وذلك بمناسبة صدور ترجمته لمحكيات الكاتب اليهودي المغربي أوري أبيطبول "طعم المُربَّيات (طفولة يهودية في المغرب)"؛ حيث أوضح أن قضية الهجرة "تخترق المحكيات، طارحة معها سؤال العلاقة مع الوطن الأصل، وطن الجذور والحنين إليه وقرارات العودة لزيارته، أو بالأحرى الحج إليه، بحثا عن "الفردوس" الذي حضن الطفولة والمراهقة، والذي يحضن قبور الأجداد". في إشارة إلى "مسار أسرة مغربية يهودية، أسلافها ازدادوا وترعرعوا في أرض الإسلام الاستثنائية هذه، وعاشوا فيها في تعايش وتمازج مع مسلمي المغرب، وذريتهم قضت أياما وليال بطعم المربَّيات بين ظهرانيها قبل الرحيل"...

 

 

+ صدرت لك، قبل أيام، ترجمة جديدة لمحكيات الكاتب اليهودي المغربي، المقيم حاليا بكندا، بوب أوري أبيطبول "طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب". كيف تقدم لقرائنا هذا الكتاب ومؤلفه بوب أوري أبيطبول؟

ـ في "طعم المربَّيات: طفولة يهودية في المغرب"، يستعرض بول أوري أبيطبول طفولته ومراهقته في دروب الدار البيضاء خلال عهد الحماية وبعيد الاستقلال. وللإشارة، فمحكياته هذه صدرت مؤخرا عن "فاصلة للنشر" بلغتها الأصلية، الفرنسية، وفي نفس الوقت بتعريبي إياها. وهي إضاءة سير-ذاتية لمسار أسرة مغربية يهودية، أسلافها ازدادوا وترعرعوا في أرض الإسلام الاستثنائية هذه، وعاشوا فيها في تعايش وتمازج مع مسلمي المغرب، وذريتهم قضت أياما وليال بطعم المربَّيات بين ظهرانيها قبل الرحيل. وقضية الهجرة هذه تخترق المحكيات، طارحة معها سؤال العلاقة مع الوطن الأصل، وطن الجذور والحنين إليه وقرارات العودة لزيارته، أو بالأحرى الحج إليه، بحثا عن "الفردوس" الذي حضن الطفولة والمراهقة، والذي يحضن قبور الأجداد.

أمكنة الطفولة البيضاوية وشخوصها تسكن محكيات بول أوري؛ ومعيش عائلة مغربية يهودية وطقوسه، الدنيوية والدينية، تؤثث زنقة لوسيتانيا (ابن رشد حاليا) وحي فِردان و"لاكوت"، مع إطلالة على ابن أحمد ومراكش والصويرة؛ وشيطنة الأطفال ومقالبهم وأسرارهم تستعرض نفسها بلغة باروكية تهمل، عن قصد، قواعد تناسب الأفعال النحوية، فيصبح الماضي مضارعا والمضارع فعل ماضي لتتداخل أزمنة الما قبل والما بعد. ذلك أن "نحن دائما أبناء بلدنا/ مهما قلنا، مهما فعلنا/ يلازمنا حنيننا إليه/ حيثما نُقيم حيثما نعبر/ أبدا، هو لا يُنسى أبدا/ الإنسان دائما/ الإنسان دائما ابن بلده"، كما يقول المؤلف.

أما بوب أوري أبيطبول، فهو حكواتي قادم من الدار البيضاء، على حد توصيف الكاتب محمد أمسكان في قراءة له للمجموعة منشورة ضمنها؛ رجل أعمال استقر أولا في باريس لبضع سنوات، ليهاجر بعدها إلى مونتريال ثم المكسيك، وأخيرا إلى لوس أنجيلوس، يشتغل في ميدان الموضة والعلاقات العامة، وتنظيم التظاهرات الفنية والثقافية والتشكيلية وهندسة عروض الفرجة والسيرك والمسرحيات الموسيقية. وإثر نشر عدة نصوص ضمن مجلات تصدرها الطائفة اليهودية في أراضي الشتات، سيهب بوب أوري أبيطبول قراء اللغة الفرنسية مؤلفات قصصية وروائية ("طعم المُربَّيات"، و"صقور موگادور"، و"حب مدام كوهين المحرم" و"مقهى براغ")، ودواوين شعرية ("ما وراء حدود الإنسان"، و"جمال العالم" و"أنبياء وقتلة")، دون إغفال مسرحيات ترجمها من الفرنسية إلى العبرية - الدارجة المغربية تم إنتاجها وعرضها.

 

+ الملاحظ أن هذه هي المرة الثانية التي تعود فيها، على مستوى الترجمة، إلى موضوع ذاكرة اليهود المغاربة، وذلك بعد ترجمتك لكتاب ألبير ساسون "خياطو السلطان، مسار عائلة يهودية مغربية". لماذا هذه الذاكرة تحديدا؟ وماذا عن سياق الترجمتين؟

ـ بالفعل، صدرت لي سنة 2009 عن منشورات "مرسم" الترجمة التي أشرت إليها، وقد كانت في الأصل سلسلة نشرت بعض حلقاتها يومية "الاتحاد الاشتراكي". وبعدها نشرت على أعمدة الجريدة ذاتها، عنواني المهني، ترجمة لمقتطفات مسهبة من مؤلف الراحل شمعون ليفي "أبحاث في التاريخ والحضارة اليهوديين- المغربيين"، وكنا على وشك التعاقد لنشر الترجمة الكاملة للكتاب لولا أن الموت اختطف مؤسس المتحف اليهودي بالبيضاء. وهذا الاهتمام ليس وليد الصدفة أو ميول ظرفية لنصوص المكون اليهودي لثقافة المغرب وتاريخه وحضارته وفن العيش فيه، بل هو، إن صح التعبير، إرث أحمله منذ الطفولة بفعل ميلادي ونشأتي بمدينة الجديدة، في حي غير بعيد عن القلعة البرتغالية التي كان يقطن بها أغلب يهود مازاغان. و منذ الحماية، أصبح الحي البرتغالي يحمل تسمية الملاح، والحال أنه لم يكن فضاء منعزلا خاصا بالطائفة اليهودية فحسب مثلما هو الحال في مدن أخرى، بل رقعة جغرافية مختلطة الأعراق والجنسيات والديانات واللغات. كما أنني ترعرعت في زنقة (زنقة فرنسا) تقع على بعد أمتار قليلة من شارع مولاي عبد الحفيظ المحتضن لـ "سكويلة لِيهود" (المنشأة من طرف الاتحاد اليهودي العالمي سنة 1906) ولفيلات أفراد الطائفة الأكثر يسرا...

هذا القرب الجغرافي جعلني أختلط بأطفالهم، كما أدى بالعائلة إلى نسج علاقات صداقة وقرب اجتماعي مع أسر يهودية، علما أن يهود الجديدة كانوا منصهرين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفنية (والسياسية كذلك إلى حد ما) لحاضرة دكالة، عوامل تفاعلت جميعها لخلق معرفة لدي بالمكون اليهودي المغربي وتقاليده، وولدت لاحقا نزوعا إلى قراءة منجزه الأدبي وترجمته. كما أنني الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على ترجمة مؤلف يصب في ذات المنحى، سيصدر قبل نهاية السنة الجارية عن دار النشر "ملتقى الطرق".

زد على ذلك أن ما يجلب اهتماما إضافيا لدي للمكون اليهودي للمغرب يكمن في كون مجال النشر صار يكتنف، وذلك منذ صدور "Retour sur un monde perdu"   لدوغراسيا كوهن سنة 1971، ما يمكن وسمه بـ "أدب مغربي يهودي"، وقعت منجزه كثير من الأسماء المنحدرة من الطائفة هذه بلغات متعددة (العبرية، الفرنسية، الإنجليزية والإسبانية)، من أبرزها إدمون عمران المالح، وحاييم زعفراني وإريك فوتورينو... أدب ربما يلزم إعادة توطينه في تربة أصله عبر نقله إلى اللغة الأكثر انتشارا وتداولا بين المغاربة، العربية.

 

+ كيف ترى، من موقعك، صحافيا ومبدعا، الوضع الحالي للحركية الثقافية المغربية، ولقضايا نشر الكتاب بشكل خاص؟

- الحركية الثقافية في مغرب اليوم تسير بخطى متعثرة وفق سرعات مختلفة حسب الحقول والأجناس ولغة التعبير. فرغم ما حققه الباحثون والكتاب المغاربة من إنجازات، مبهرة في بعض المجالات والتخصصات، نظل نعيش تحت وِزْر تهميش للحقل الثقافي في السياسات العمومية. ويكفي إلقاء نظرة، ولو سريعة، على أغلب البرامج الانتخابية التي صيغت بمناسبة استحقاقات هذه السنة للتأكد من هذا الحكم. بالطبع، لا يمكن إنكار التطور النسبي لوضع الشأن الثقافي ضمن اهتمامات الفاعلين في تدبير الشأن العام، وطنيا وجهويا ومحليا، وبعض المؤسسات الخاصة وهيئات المجتمع المدني، لكن إيلاء الثقافة موقع الصدارة يبدو حلما بعيد المنال إذا ما استحضرنا مجمل المعطيات والمشهد كاملا، ولم نتوقف عند بؤر الضوء النادرة المتناثرة هنا وهناك. ولعل من مؤشرات هذه العتمة النسبية، بالإضافة إلى انحسار القراءة ومعيقات النشر ومحدوديته، وكذا الهيمنة الزاحفة لوسائط وأد الكتاب الورقي وأركاح تلقي الفعاليات الثقافية والفنية الجماعية، غياب إعلام ثقافي مهني متخصص، خطه التحريري ضمان إشعاع المنجز الثقافي الوطني، بمختلف تمظهراته وتعبيراته ولغاته، العالم منه والشعبي، والتعريف به وتقريبه من أوسع فئات المجتمع...