الأحد 1 أغسطس 2021
سياسة

فيدرالية اليسار.. من طوق نجاة إلى ورقة لإشاعة اليأس!

فيدرالية اليسار.. من طوق نجاة إلى ورقة لإشاعة اليأس!
في يناير من سنة 2014، بادر كل من الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي بتأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي.
لم يكن الحدث فقط متناغما مع مطالب تلك الأحزاب المنادية بالوحدة في أفق بناء قطب يساري كبير، كما تنص على ذلك بياناتها التأسيسية وبرامجها الانتخابية، ولكنه كان كذلك استجابة لأفق انتظار لكل الديمقراطيين والتقدميين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم ضمن معادلات سياسية تضع المشهد السياسي في مأزق، وتجعل الديمقراطيين في حالة حجز.
من علامات ذلك المشهد:
1ـ أفول دور ووظائف الأحزاب الوطنية التقليدية، سواء ما يهم جانبها المحافظ (حزب الاستقلال)، أو جانب اليسار (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية). الأفول لا يعني فقط التآكل الذاتي الذي مس بنيات الحزب التنظيمية وإشعاعها العام، وعدم تجديد نخبها القيادية، ولكنه يعني بالإضافة إلى ذلك فشل كل محاولة للتكتل أو التحالف أو التنسيق.
2- من علامات المشهد كذلك أفول أطروحة المبادرة من أجل «حركة لكل الديموقراطيين»، بطموح تجميع وجوه من اليساريين السابقين، ورجال من عالم المال والأعمال لتطويق المد الأصولي، ولاستعادة الوهج للنخب السياسية، وتحصين الطموح نحو تعزيز مشروع التحديث والديموقراطية. لكن الطموح انكسر فانخرطت المبادرة في حزب الأصالة والمعاصرة. ثم تراجع الهمة بعد ذلك، وصار «البام» مجرد رقم اعتيادي ضمن المشهد الحزبي التقليدي.
3ـ بموازاة مع ذلك كان حزب العدالة والتنمية يقوي هيكله التنظيمي، ويؤسس لبنية عميقة في الشارع المغربي مستثمرا خطاباته الشعبوية، وبكارته السياسية لعدم مشاركته في الحكومات السابقة، ومن ثمة الادعاء بأنه وحده يمتلك مرجعية الدين الإسلامي.
في سياق هذه العلامات كان تأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي حدثا ستبرز الحاجة إليه بشكل عملي لحظة دخول المغرب غمار الاستحقاق الانتخابي في أكتوبر من سنة 2016، والتي دخلتها الفيدرالية مسلحة بخطاب وبمسلكيات جديدة. فلقد نهجت حملة الحزب منطقا واضحا في تسمية الأشياء بأسمائها. ومن ثم استعاد المغاربة مع الفدرالية خطابات التنديد الواضح بالفساد والاستبداد، وبمناهضة سياسة المخزن، وبالدعوة إلى تشبيب السياسة وعقلنتها. ولقد تدعم كل ذلك بالدور الكبير الذي قامت به الأمينة العامة للاشتراكي الموحد ومنسقة الفيدرالية نبيلة منيب التي بدت يومها وجها مقنعا، قادرا على أن يمنح الأمل والثقة للمغربيات والمغاربة بإمكانية التغيير. وقد تكلل ذلك بنجاح الفيدرالية في إدارة الحملة إلكترونيا، وفي ابتكار سبل جديدة في التواصل. ولقد تابعنا كيف أعرب العديد من الشباب والنساء، ومن المثقفين، نتيجة ذلك، عن رغبتهم في الانخراط في حركة اليسار.
لكن، ومع إعلان نتائج الاستحقاق التشريعي بسقوط ورقة نبيلة منيب رغم أنها تترأس اللائحة الوطنية، وبحصول الفيدارلية فقط على مقعدين يمثلانها تحت قبة البرلمان، تغيرت المعطيات إذ بدل من أن تكون تلك النتائج تحفيزا على المراجعة والنقد الذاتي، وعلى ترصد عوامل العطب، والتساؤل عما إذا كان الفشل مرده بناء الفيدرالية، أو بناء الأحزاب المكونة لها. بدل ذلك استسلمت الفيدرالية لآليات التدمير الذاتي عبر توجيه السهام والاتهام بين القيادات، ثم الانغماس البليغ في بعض أعراض الحالة اليسراوية، واحتداد التوتر خلال مناقشات تفعيل أطروحة «الاندماج» التي تبنتها الفيدرالية منذ سنة 2016، ولا تزال إلى اليوم تتساءل إن كانت ظروف الوحدة قد نضجت، أم أن الحاجة الموضوعية تقتضي العمل من أجل توفير شروط هذا الاندماج.
وبدل من العمل باتجاه تحقيق تلك الشروط تأكد أن منيب قد استمرأت كرسي الأمانة العامة التي صارت تقيم فيه منذ قرابة عشر سنوات.  وتأكد كذلك أن مطلب الاندماج صار يهرب نحو المستقبل المجهول، وتم إقصاء شرائح هامة من المناضلين، وبروز دعوات للانقسام عقب المواقف الغامضة تجاه موضوعي القاسم الانتخابي والنموذج التنموي على سبيل المثال، إضافة إلى دعوات أخرى التخلي عن خيار الفيدرالية من الأساس. والأخطر في كل ذلك الانشغال عن دور اليسار الحقيقي إزاء الدولة والمجتمع، وداخل المؤسسات المدنية والنقابية، فيما ظلت العلاقات مع المواطن مقطوعة، المواطن الذي وجد نفسه أعزل بعد الحملة الشرسة التي شنتها عليها حكومة الأصوليين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
والنتيجة أن الفيدرالية تبدو اليوم، وعلى مقربة من انتخابات شتنبر 2021، كما لو هي مصابة بنوع من الإنهاك. فقطاع واسع من المواطنين يطرحون السؤال حول مشروع اليسار، وتحديدا حول مآل الفيدرالية التي كانوا يتصورونها طوق النجاة، لكنهم يرونها اليوم مجرد ورقة جديدة لإشاعة اليأس. فهل كتب على اليساريين قدر التمزق الأبدي؟ وهل كتب على المغاربة قدر أن يراكموا الهزائم من استحقاق إلى آخر.
يجب القول من طرفنا، نحن الذين احتفينا  في «الوطن الآن» و«أنفاس بريس» إعلاميا بميلاد فيدرالية اليسار لتمثلها لقيمنا المشتركة، وكنا نعتبر صوتنا واحدا من ذراعها الإعلامي، بأننا نعتقد أن الوضع الراهن لا يعتبر فقط مخيبا لآمال وطموح اليساريين وحدهم، ولكنه مخيب لطموح المغاربة الذين يضعون أيديهم على قلوبهم وهو يعيشون حالات الحجز بين يمين عتيق تمثله نخبة تقليدية مهترئة، ويسار مشتت، وأصوليين يشحذون سيوفهم من أجل الانقضاض على الموعد التشريعي القادم للإجهاز على ما تبقى من أمل المغاربة في التحديث والديموقراطية والعيش الكريم.