السبت 31 يوليو 2021
كتاب الرأي

محمد البالي: إسقاطات كلام(10)

محمد البالي: إسقاطات كلام(10) محمد البالي
أ- مما سبق: سنوظف لفظ الإيديولوجيا توصيفا إجرائيا يفيد الانطلاق من تصورات قبلية في تشكيل الروابط الحزبية وفي الحكم على الآخر. أما التصورات والمنطلقات العقدية فأدلوجات، تتمظهر في خطاب التيار الإيديولوجي مفاهيم (الحلقة 9) وسمات حجاجية (الحلقتان 9 و10) وأفعال كلام. ومن سمات الحجاج:
2- الشخصنة:
تنتقل الشخصنة في مناقشة المختلف، لتتمثل في مغالطة الاحتجاج بالشخص، وتعني تجنب مناقشة الفكرة إلى نقد سلوك أصحابها أو تجريحهم بمرادفات الانحراف من قبيل: انتهازي، مخزني... ومن أمثلتها:
- جاء في أرضية اليسار المواطن والمناصفة: تعلة تخفي ريع القيادة الحزبية والأبيسية الشرقية، أشكال متعددة من الحربائية والانتهازية.
- في نقده لقيادات أحزاب اليسار التي صوتت على دستور 1996، وشاركت في حكومة التناوب التوافقي، كتب عضو المكتب السياسي البارز في تحركاته الميدانية ومشاركاته منشورات الأمينة العامة، العلمي الحروني، في مقال نشرته حرة بريس يوم 29 يناير 2021: إن الرأي الذي يقول، مثلا بأن اليسار الديمقراطي ضعيف ولا يمكنه خلق تعبئة جماهيرية... مردود عليه، لكونه، من جهة، رأي قاصر واختزالي... ومن جهة أخرى، فإن الرأي إياه رأي سلبي وانهزامي تغلب عليه المصلحة الذاتية. أصحاب هذا الرأي متعالون... إنهم بلداء حقيقة وانتهازيون...".
- تشهد تدوينات وتعليقات في مجموعات واتساب وفيسبوك، على رفض فكرة الاندماج بتجريح وقذف في أعضاء ومسؤولين بمكونات التحالف، وبتخوين رفاق. وحسب السياق، تقترب هذه الشخصنة من مغالطة تسميم البئر؛ وملخصها: تشويه صورة الآخر كي لا يقبل الناس فكرته.
3- الفزاعة:
يدرج دارسو الخطاب، هذا النوع من مخاطبة الآخر ضمن مغالطة رجل القش؛ وتمثيلها أن يصنع الشخص فزاعة من القش ويهاجمها بدل مهاجمة شخص حقيقي. أما تجليها في الخطاب؛ فأن يقوم الشخص بتحريف كلام من يناقشه، أو يقتطع منه أو يخترع كلاما وينسبه إليه. ومن الأمثلة التي وجدناها مناسبة لهذا، في مقال نشرته إلكترونية لكم، يوم 25 فبراير 2020، للأستاذ جمال العسري، عضو المكتب السياسي للاشتراكي الموحد، وهو قراءة في مداخلة للأستاذ محمد الساسي في ندوة نظمها المؤتمر الوطني الاتحادي، وكان عنوانها: إعادة بناء حركة اليسار: المشروع، الضرورة، الإمكانات و المعيقات.
بعد أن قدم المناقش الأسس الإيديولوجية والسياسية والثقافية والنضالية، التي استخلصها من مداخلة رفيقه محمد الساسي، توقف عند ما اقترحه المحاضر من مقومات نمط حزبي جديد ( اعتماد التيارات، ربط النضالين الجماهيري والمؤسساتي، مكانة خاصة للشباب والنساء، تمثل قيم 20 فبراير، تعبئة الطبقات المتوسطة، هجر لغة الخشب وتغيير وسائل العمل، تدشين الاصلاح الديني، حزب لا تحجب فيه الإيديولوجيا السياسة). وقد استنبط المناقش بقوله: الوصفة التي ينتصر لها الرفيق، خلق إطار جديد، تأسيس حزب جديد، أو ما أسميه شخصيا ببعث الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية...".
لقد سخّر عضو المكتب السياسي فزاعة ذات وجهين: حزب جديد، وبعث الاتحاد الاشتراكي. لكن المتابع لما طرحه ذ. محمد الساسي، وهو ما قدمه في الندوة الفكرية لفيدرالية اليسار الديمقراطي بالبيضاء حول أسس الحزب الاندماجي المرتقب، يستخلص فكرتين واضحتين ومترابطتين: الأولى أن بنية الاتحاد الاشتراكي مندمجة ولم تعد قابلة لتحمل مشروع يساري، وخطه السياسي لا يطالب بالانتقال إلى الديمقراطية، وقد تحقق الانتقال، بالنسبة إليه، منذ الإعلان عن حكومة التناوب. والثانية أن مشروع الحزب المقترحة مقوماته، نواته فيدرالية اليسار الديمقراطي والجمعيات الحاملة لمشروع الانتقال، ومنفتح على مختلف الفعاليات الديمقراطية الراغبة في التغيير. وقد وجدنا هذا في نص أرضية الأفق الجديد التي رسمت الخط السياسي، ببرنامجه وبتحالفاته، في المؤتمر الرابع للحزب الاشتراكي الموحد، في فبراير 2018. وعن هذه الأرضية انتخب أغلبية أعضاء المجلس الوطني، وأفرزوا مكتبا سياسيا مسؤولا عن تنفيذ مقررات المؤتمر. لذلك تجدر الإشارة إلى عبارة توثيقية عقب مقال ذ. العسري وصيغتها: عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، وهي صفة وقع بها المناقش مقاله. وحضور هذه العبارة بيان وإشارة، قد تدفع المتابع إلى طرح سؤال مركب حجاجيا وسياسيا: هل وقع المناقش، قارئ المحاضرة في غلط أم جنح إلى مغالطة قصد تغليط من لم يحضر الندوة ليثير فيه الخوف من دعوى توحيد اليسار في حزب بمقومات جديدة؟
وبما أنه لجأ إلى نشر قراءته خارج الفضاءات الحزبية، فقد قصد تعميم المغالطة، ومن خلفها قصدية مناهضة فكرة الاندماج. وقد كانت علامتي تنصيص عنوان المقال، بالصورة التالية: "المؤتمر الوطني"، إشارة قصدية ببعدين: الأول تقليص حجم حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والثاني إلهاء القارئ بإسقاطه في تأويل هذا الدال الرمزي، لأنه لا يحيل مباشرة إلى ذلك الحزب. ومما يكشف هذه القصدية تغييب عبارة: فيدرالية اليسار الديمقراطي، من ملفوظات النص/ المقال، فقد ذكر لفظ الفيدرالية مرة واحدة، ومعزولا عن المُضاف إليها (اليسار) وعن نعته (الديمقراطي) لنقرأْ كَتْبَه: إن هذه المقومات أو أسس التعاقد لتأسيس حزب جديد، أتصور أن الرفيق الساسي يعتبر أن نواته الصلبة ستضم كلا من أحزاب الفيدرالية الثلاثة إضافة للاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، هي نفسها مقومات الحزب الاشتراكي الكبير، أوالاتحاد الاشتراكي في حلته الجديدة".
ومن هذا القول، وأشباهه في المقال، ينكشف الإصرار على فزاعة تغليط. فالمقال يكرر حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهما حزبان حكوميان منذ 1998، واندماجهما المتدرج في بنية الملكية التنفيذية، جعل استحضارهما في أي خطاب حول علاقات تنسيق يثير غضب مناضلات ومناضلي الاشتراكي الموحد. وبذلك يكون المقال، الموسوم قراءة، لعبا بعاطفة القارئ المحتمل، ومنه منتسب أو منتسبة إلى حزب الشمعة. وقد يكون المنتسب/ة على غير معرفة برأي ذ. محمد الساسي، أو بآراء غيره من حاملي مشروع توحيد مكونات اليسار المناضل واليساريين والديمقراطيين. ولا يطرح أحدهم فتح باب الاندماج مع الحزبَين الحكوميين، بل إن مشروع التوحيد يفتح الباب أما مناضلي الأحزاب الديمقراطية، الذين اختلفوا مع خط الموالاة، ويطالبون بخط نضالي لإقرار ملكية برلمانية.
ومن يتمعن خطاب المقال، يقف على ملكة تبليغ، تنم عن دربة في الكتابة وحيل في مراوغة المخاطَب.
4- ظل ورمز:
التوحد سمة موروثة من خطاب العقدية السياسية، اشتركت فيها إيديولوجيات دينية وقومية وماركسية. ورسختها خطب وشعارات أنظمة ما قبل ديمقراطية، وخطابات جماعات ما قبل التعددية الحزبية. حيث وحدت المؤسسة في الزعيم، ومثلتها ظلا له. وألفينا في الخطاب الإعلامي في المغرب المعاصر إحلالا للشخص محل المؤسسة، بترويج مركب لفظي من قبيل: الديمقراطية الحسنية، حزب علال الفاسي،،، ومع انتخابات اللوائح، برز تداول رموز الأحزاب في مركب إضافي: حزب الشمعة، حزب الوردة، حزب الميزان... لكن الثقافة الشائعة، بحكم ترسبات النموذج في اللاوعي، أو لاعتبارات إعلامية، ليست سلبية بالضرورة، جعلت الخطاب السياسي في العالم، يعمد إلى تشخيص الرمز لإضفاء عاطفة على التواصل السياسي والإشهاري. ورغم هذا، نلاحظ في الحياة الحزبية عبر عوالم الأحزاب الانتخابية في أرجاء المعمور، ربطا بين الشخص والرمز والدليل اللغوي للحزب، يعني اسمه. وهو ترابط تكاملي لضمان التميز أو الانتشار. وليس توحّدا يجعل المؤسسة، بقوانينها ومواقفها، تابعة لشخصية الزعيم.
لكن بعض المتداول الخِطابي، يجنح بقصد أو بدونه، إلى شخصنة الرمزية وإلى التوحد. فمن منقول ملاحظات وتعليقات من الفضاء الحزبي للاشتراكي الموحد، تمركز النقد حول عبارات التماهي والتوحّد الواردة في بيان منشور بصفحة الحزب الاشتراكي الموحد - أرضية التغيير الديمقراطي، يوم 20 مارس 2021: الرفيقة نبيلة منيب، الممثل الرسمي والشرعي والوحيد لحزبنا".
تقية:
الإيديولوجي ظاهر وباطن، وعبر تاريخ الإيديولوجيات، تبنت الجماعات العقدية مبدأ "التقية" فكرا وممارسة. إذ يكون للخطاب حمولات أقلها اثنتين: دلالة داخل الجماعة، ودلالة خارجها. ومثال ذلك عبارة "إنضاج شروط الاندماج". يفهم منها خارج الجماعة الإيديولوجية، أن القصد هو العمل على تذليل الصعاب وإعداد إمكانات وتقريب وجهات نظر، حتى يتجنب الاندماج مطبات السير السريع. أما بينيا فتدل على "إعاقة الاندماج" والتماطل لتفويت فرص تحقيقه، رغم صيغة الأجل المنظور. ذلك أن هذا الاندماج خضع لسيرورة تطورية من الحوار إلى التنسيق إلى التحالف، حتى أقرته مؤتمرات الأحزاب الثلاثة، وتوقعت أن يتم قبل انتخابات 2021، في سيرورة زمنية ممتدة منذ ست سنوات، وباحتساب فترة "تجمع اليسار الديمقراطي"، تكون مكونات الفيدرالية في تنسيق وتحالف قارب العشرين سنة.
 
(يُتبع)