يشيع تفسير سياسات الرسوم الجمركية التي أُقرها الرئيس دونالد ترامب على أنها محاولة لإنهاء العولمة. غير أن هذا التفسير يغفل الآلية الأكثر تأثيرًا: فالرسوم المرتفعة لا تُوقف بالضرورة التجارة العابرة للحدود، بل غالبًا ما تغيّر مكان حدوث الاستثمار. عمليًا، تعمل الرسوم كـ«رسم دخول إلى السوق»: فإذا أصبح التصدير إلى الولايات المتحدة أكثر كلفة بشكل هيكلي، فإن الشركات تميل إلى نقل الطاقة الإنتاجية وسلاسل التوريد ورأس المال إلى داخل الولايات المتحدة للحفاظ على الوصول إلى الطلب نفسه. ومن هنا، فإن القصة الأرجح لما بعد 2026 ليست «تفكك العولمة»، بل إعادة تموضع الإنتاج والالتزامات الاستثمارية باتجاه السوق الأمريكية، خاصة عندما تقترن الرسوم بحوافز صناعية سخية وسوق استهلاكية ضخمة ومرنة.
الأرقام تؤكد أن الولايات المتحدة ما تزال الوجهة الأولى عالميًا لرأس المال حتى قبل تبلور «أثر 2026». فقد بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الولايات المتحدة سنة 2024 نحو 279 مليار دولار، وهو أعلى مستوى عالميًا. كما تُظهر بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أن «الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد»—أي إنفاق المستثمرين الأجانب على الاستحواذ أو التأسيس أو التوسعة داخل الولايات المتحدة—بلغ 151 مليار دولار في 2024 بعد 148.8 مليار دولار في 2023. هذه الأرقام تعكس حقيقة راسخة: عندما تبحث الشركات العالمية عن «سوق مركزية آمنة» للتوسع، فإن الولايات المتحدة تظل الخيار الأول.
دور الرسوم يتجلى أساسًا في تغيير تركيب الاستثمار ومكانه. فإذا كان الحاجز الجمركي مرتفعًا وموثوقًا، يصبح من العقلاني اقتصاديًا استبدال «شحن السلع إلى أمريكا» بـ«شحن رأس المال إلى أمريكا». ويبرز هذا المنطق خصوصًا في القطاعات ذات التكاليف اللوجستية العالية أو سلاسل القيمة الطويلة أو الحساسية الجيوسياسية (كالسيارات، والإلكترونيات، والمدخلات الاستراتيجية، والمعدات الصناعية). ولقياس ضغط الرسوم، تُشير تقديرات شائعة إلى أن متوسط الرسوم الأمريكية على الصادرات الصينية يدور حول 19.3% (مقابل 21.1% متوسط الرسوم الصينية على الصادرات الأمريكية)، وهي نسب كافية لتغيير قرارات توطين المصانع على نطاق واسع. كما أن موجات التصعيد القطاعي في فترات عدم اليقين تعزز هذا الحافز نحو نقل الإنتاج بدل الاكتفاء بالتصدير.
ويضاف إلى ذلك عامل جذب ثانٍ قوي: سياسة صناعية أمريكية نشطة وزخم استثماري مرتفع. فبيانات البناء تُظهر التحول بوضوح؛ إذ بلغ إنفاق تشييد المنشآت الصناعية التحويلية في الولايات المتحدة وتيرة سنوية تقارب 220 مليار دولار خلال 2025. وفي قطاع أشباه الموصلات تحديدًا، تشير التقديرات إلى وتيرة بناء سنوية في حدود 135 مليار دولار منتصف 2024 (نحو 11 مليار دولار شهريًا). هذا الحجم من الاستثمار في الأصول المادية ينسجم تمامًا مع افتراض الشركات أن خدمة السوق الأمريكية ستكون أكثر كفاءة عبر طاقة إنتاجية قائمة داخل الأراضي الأمريكية.
وتدعم مؤشرات «إعادة التوطين» الاتجاه نفسه. فقد قُدّر عدد فرص العمل المعلَن عنها نتيجة إعادة التوطين والاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 245 ألف وظيفة في 2024، مع مجموع تراكمي يتجاوز مليوني وظيفة منذ 2010—وهو مؤشر على إعادة ترسيخ بصمات الإنتاج محليًا. كما تُظهر التقارير أن توقعات السياسات وحدها قادرة على إطلاق موجات مبكرة من الإعلانات الاستثمارية، حتى وإن بقيت بعض المشاريع مشروطة إلى حين اتضاح قواعد التجارة، وهو سلوك متوقع قبيل 2026.
لماذا 2026 تحديدًا؟ لأن الفجوة الزمنية بين ضغط السياسات والتنفيذ المادي طويلة. فإعادة تموضع صناعي واسع تتطلب اختيار المواقع، والتراخيص، وربط المرافق، وبناء مهارات القوى العاملة، وجداول استثمار تمتد لسنوات. الرسوم قد تغيّر الحسابات سريعًا، لكن المصانع لا تنتقل في ربع سنة. لذلك تبدو رواية «ما بعد 2026» منطقية زمنيًا: إذا كانت الشركات قد أمضت 2024–2025 في تثبيت الخطط والتمويل والمواقع، فإن 2026 ستكون اللحظة التي يظهر فيها الأثر بوضوح على الإنتاج والتشغيل وتكتل سلاسل التوريد محليًا.