تحسّن القدرة الشرائية للمغاربة خلال العشر سنوات الأخيرة يظل مسألة معقّدة لا يمكن الحكم عليها من خلال الانطباعات الفردية، بل عبر قراءة المسار الاقتصادي العام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية. فالفترة الممتدة إلى غاية 2020 تميزت بتضخم ضعيف نسبيًا، ما سمح بالحفاظ على القدرة الشرائية الإجمالية رغم محدودية تطور الأجور الحقيقية، وساهم في استقرار الادخار وتوسع الولوج إلى السكن لدى جزء من الطبقة المتوسطة.
غير أن هذا المسار عرف صدمة قوية خلال 2022 و2023، حيث بلغ معدل التضخم 6,6% ثم 6,1%، ما أدى إلى تآكل ملموس في القدرة الشرائية، خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل الثابت أو المحدود، بفعل ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل. هذه المرحلة مثّلت أكبر ضغط على القدرة الشرائية منذ عقود، وغيّرت الإحساس العام بالوضع المعيشي.
ابتداءً من 2024، بدأت مرحلة انفراج نسبي مع تراجع التضخم إلى حوالي 0,9%. هذا التراجع لا يعني تحسناً فورياً في مستوى العيش، لكنه أوقف تدهور القدرة الشرائية وخلق شروطاً لاسترجاع تدريجي للتوازن. في هذا السياق، أظهرت مؤشرات سلوك الأسر إشارات إيجابية: ودائع الأسر بلغت نحو 963 مليار درهم في 2025، مع نمو سنوي يفوق 6%، منها أكثر من 220 مليار درهم تعود لمغاربة العالم، ما يعكس قدرة ادخارية حقيقية لدى شريحة واسعة من الأسر.
كما بلغ حجم قروض الأسر حوالي 395 مليار درهم، منها أكثر من 255 مليار درهم موجهة للسكن، إضافة إلى توسع التمويل التشاركي. هذه المؤشرات تعكس قدرة فئات من الأسر على الالتزام طويل الأجل، وهو عنصر أساسي في قياس التحسن النسبي للقدرة الشرائية. ويعزز هذا الاتجاه ارتفاع مبيعات السيارات الجديدة إلى أكثر من 208 آلاف وحدة في 2025، بزيادة تفوق 35%، وهو مؤشر كلاسيكي على تحسن الثقة والقدرة الاقتنائية لدى الطبقة المتوسطة.
القدرة الشرائية للمغاربة خلال العقد الأخير لم تتحسن بشكل خطي أو شامل. فقد عرفت استقراراً نسبياً، ثم تدهوراً حاداً بفعل التضخم، قبل أن تدخل مرحلة تحسن جزئي مدفوع بانخفاض ضغوط الاسعار وتحسن المؤشرات الكلية. غير أن هذا التحسن يبقى ماكرو-اقتصادياً بالأساس، ولا يعكس بالضرورة واقع جميع الأسر. التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل هذا التحسن العام إلى مكاسب ملموسة للفئات الهشة والطبقة المتوسطة الدنيا، عبر رفع الدخل الحقيقي وتحسين الإنتاجية وتخفيف كلفة العيش الأساسية وهو الأمر الذي نلمسه عبر عدد من البرامج التي اطلقتها الحكومة كدعم الولوج للسكن وإرساء مفهوم الدولة الاجتماعية.
