الجمعة 9 يناير 2026
اقتصاد

جمال كريمي بنشقرون: لابد أن يكون تمديد سن التقاعد اختياري  بناء على امتيازات تفضيلية

جمال كريمي بنشقرون: لابد أن يكون تمديد سن التقاعد اختياري  بناء على امتيازات تفضيلية جمال كريمي بنشقرون، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم و الاشتراكية
إشكالية‭ ‬التقاعد‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬أصبحت‭ ‬معقدة‭ ‬وقضية‭ ‬حارقة‭ ‬يشعر‭ ‬بأثرها‭ ‬المادي‭ ‬المحالون‭ ‬على‭ ‬التقاعد،‭ ‬ويتخوف‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬الحالية‭ ‬كل‭ ‬الأشخاص‭ ‬النشيطون‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭.‬

وقد‭ ‬تعقدت‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المتقاعدين‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬عدد‭ ‬الموظفين‭ ‬الجدد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عدم‭ ‬بلورة‭ ‬حل‭ ‬شمولي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الحكومية‭ ‬المرحلية‭ ‬أو‭ ‬الترقيعية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تهريب‭ ‬مسألة‭ ‬الإصلاح‭ ‬الجذري‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬فأصبح‭ ‬الإفلاس‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬و‭ ‬يتعقد‭ ‬أمر‭ ‬المعالجة‭ ‬البنيوية‭ ‬للملف‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭.‬

‮ ‬ومن‭ ‬الحلول‭ ‬غير‭ ‬المعقولة‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬“بالثالوث‭ ‬المحرم“،‭ ‬عبر‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭ ‬و‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬قيمة‭ ‬الاشتراكات‭ ‬مع‭ ‬تقليص‭ ‬القيمة‭ ‬المالية‭ ‬للمعاشات،‭ ‬حيث‭ ‬دائماً‭ ‬يتم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المشتغلين‭ ‬وحرمان‭ ‬المتقاعدين‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬معاشاتهم،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬تريد‭ ‬الحكومة‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬فإنها‭ ‬تلجأ‭ ‬لرفع‭ ‬قيمة‭ ‬التعويضات‭ ‬دون‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الراتب‭ ‬الأساس،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يستفيد‭ ‬المتقاعدون‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الزيادة،‭ ‬في‭ ‬تحايل‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬واعتماد‭ ‬عملية‭ ‬حسابية‭ ‬لن‭ ‬تنفع‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجر‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬المعاش‭ ‬بناء‭ ‬قيمة‭ ‬الأجر‭ ‬الأساسي‭ ‬بعد‭ ‬خصم‭ ‬التعويضات‭.‬

وإن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالرفع‭ ‬من‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭ ‬وتقليص‭ ‬قيمة‭ ‬المعاش‭ ‬والزيادة‭ ‬في‭ ‬الاشتراكات‭ ‬مسألة‭ ‬غير‭ ‬مقبولة‭ ‬وأضحت‭ ‬مرفوضة‭ ‬اليوم‭ ‬بشكل‭ ‬تام‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كل‭ ‬الجسم‭ ‬النقابي‭ ‬رغم‭ ‬اعتماد‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬سابقا،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يتحمل‭ ‬فيه‭ ‬الفرقاء‭ ‬الاجتماعيون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مخرجات‭ ‬الحوار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مع‭ ‬الحكومة،‭ ‬وعند‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬بهذا‭ ‬الصدد،‭ ‬لأن‭ ‬القضية‭ ‬تتطلب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬والتدقيق‭ ‬واستحضار‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بفئة‭ ‬المتقاعدين‭ ‬وتكريس‭ ‬العناية‭ ‬اللازمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المنظومة‭ ‬الشاملة‭ ‬للحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمتقاعدين‭ ‬وأسرهم‭ ‬وأبنائهم،‭ ‬علماً‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭ ‬يتقاضون‭ ‬معاشات‭ ‬هزيلة،‭ ‬والكثير‭ ‬منهم‭ ‬أحيلوا‭ ‬على‭ ‬التقاعد‭ ‬بأمراض‭ ‬مزمنة‭ ‬تتطلب‭ ‬تكلفة‭ ‬باهظة‭ ‬للعلاج‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تأمين‭ ‬هش‭ ‬على‭ ‬المرض،‭ ‬ومنهم‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يعيل‭ ‬أبناء‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬يرعى‭ ‬شبابا‭ ‬يعانون‭ ‬البطالة‭ .‬

وهناك‭ ‬إشكالية‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بذوي‭ ‬الحقوق:‭ ‬الأرامل‭ ‬والأيتام،‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المعقول‭ ‬أنه‭ ‬حينما‭ ‬يتوفى‭ ‬صاحب‭ ‬المعاش‭ ‬الرئيسي‭ ‬تعيش‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬وضعية‭ ‬صعبة‭ ‬بخصم‭ ‬النصف‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬المعاش‭ ‬بعد‭ ‬الوفاة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬يتم‭ ‬فيه‭ ‬اقتسام‭ ‬المعاش‭ ‬بين‭ ‬الزوجات،‭ ‬وهذا‭ ‬ظلم‭ ‬اجتماعي‭ ‬كبير‭ .‬

والأكيد‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬غير‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ ‬وشامل‭ ‬رغم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬دراسات‭ ‬واجتماعات‭ ‬والتحضير‭ ‬لمشروع‭ ‬إصلاح‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬أظنه‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الحكومة‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬انتخابية‭ ‬الكل‭ ‬يتخوف‭ ‬من‭ ‬التكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬لذلك‭.‬

والواقع‭ ‬يبن‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬إحداث‭ ‬الصندوق‭ ‬المغربي‭ ‬للتقاعد‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬إشكالية‭ ‬حول‭ ‬أداء‭ ‬مساهمات‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬المشغل،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬تقدم‭ ‬ثلثي‭ ‬المساهمات‭ ‬والمشغل‭ ‬يقدم‭ ‬الثلث،‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬أصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬تؤدي‭ ‬النصف‭ ‬والمشغل‭ ‬النصف،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬الالتزام‭ ‬بذلك،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬السنوات‭ ‬قبل‭ ‬إحداث‭ ‬صناديق‭ ‬التقاعد‭ ‬بشكل‭ ‬نظامي‭ ‬وقانوني‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬تأخيرات‭ ‬كثيرة‭ ‬للدولة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استثمارات‭ ‬أموال‭ ‬المتقاعدين‭ ‬ومساهماتهم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جيدة‭ ‬بل‭ ‬فاشلة‭ ‬أحيانا،‭ ‬ومثيرة‭ ‬للتساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬الحكومات‭ ‬والحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬درّ‭ ‬أموال‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬المتقاعدين‭.‬

إن‭ ‬المطلب‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬الدولة‭ ‬منظومة‭ ‬التقاعد‭ ‬بشكل‭ ‬منطقي‭ ‬يضمن‭ ‬العدالة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭ ‬هو‭ ‬ظلم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬كالصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬وفي‭ ‬عدة‭ ‬مجالات‭ ‬حيوية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمشتغل‭ ‬أو‭ ‬العامل‭ ‬أو‭ ‬الموظف‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬عبء‭ ‬العمل‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬كبير،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬سيكونون‭ ‬عرضة‭ ‬للأمراض‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تمديد‭ ‬السن‭ ‬اختيارياً‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬امتيازات‭ ‬تفضيلية‭ ‬لمن‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الاشتراكات‭ ‬يجب‭ ‬مراجعتها‭ ‬وفرض‭ ‬اشتراكات‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬كبار‭ ‬الأجور‭ ‬وتخفيضها‭ ‬بالنسبة‭ ‬لصغار‭ ‬الموظفين،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬تضامني‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬للمعاشات‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬التعاضد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أمرا‭ ‬أساسيا‭ ‬ومواكبا،‭ ‬واختيارات‭ ‬التقاعد‭ ‬التكميلي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مؤثرة‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وأن‭ ‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬بلورة‭ ‬آليات‭ ‬قانونية‭ ‬تجعل‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬المتقاعد‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬ملائمة‭ ‬وتحترم‭ ‬كرامته،‭ ‬والحال‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬الاستجابة‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬مطالب‭ ‬المتقاعدين‭ ‬المحتجين‭ ‬اليوم،‭ ‬المنضوون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جمعيات‭ ‬وفدراليات،‭ ‬حيث‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬مطالبهم‭ ‬المشروعة‭ ‬وبلورتها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حلول‭ ‬قانونية‭. ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬تناضل‭ ‬الهيئات‭ ‬النقابية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تنوي‭ ‬الحكومة‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬لن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬الحلول‭ ‬السهلة،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬أسوأ‭ ‬وغير‭ ‬سليم‭ ‬ولن‭ ‬يعالج‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬شموليته،‭ ‬لأن‭ ‬تكلفة‭ ‬الإصلاح‭ ‬باهظة‭ ‬جدا‭ ‬وتتطلب‭ ‬انخراطا‭ ‬جماعيا‭ ‬وضرورة‭ ‬تحمل‭ ‬الدولة‭ ‬لمسؤوليتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬