الخميس 8 يناير 2026
كتاب الرأي

نعيمة بنعبدالعالي: التربيع والتدوير.. حين يسخر العقل من نفسه

نعيمة بنعبدالعالي: التربيع والتدوير.. حين يسخر العقل من نفسه نعيمة بنعبدالعالي

في كل أدب عظيم، هناك لحظات فارقة تظهر فيها عبقرية فذة لا تكتفي بالإبداع ضمن حدود عصرها، بل ترسم ملامح عصور بأكملها من بعدها. في تاريخ النثر العربي، كانت تلك اللحظة هي ظهور عمرو بن بحر الجاحظ. لم يكن الجاحظ مجرد كاتب غزير الإنتاج، بل كان مؤسساً حقيقياً، حوّل السخرية من مجرد تهكم عابر إلى منهج فكري متكامل. لقد أصبحت السخرية معه أداة لتشريح المجتمع وكشف الزيف وتحليل النفس البشرية بعمق.

كان الجاحظ (ت. 255 هـ) منظّراً حوّل النثر من أداة وظيفية إلى فن تحليلي ونقدي مستفيض. ومن بين كل فنونه، تبرز مدرسته في النقد الساخر كإرث خالد، نبعت منه أساليب وأعمال أدباء كبار مثل بديع الزمان الهمذاني وابن زيدون، الذين استلهموا روحه وإن اختلفت قوالبهم.

قبل الجاحظ، كان الهجاء يميل إلى المباشرة والحدة، لكن الجاحظ أحدث ثورة حقيقية حين ارتقى به إلى مستوى النقد الاجتماعي، وجعل من السخرية أداة معرفية للكشف والتحليل. في أعماله المؤسِّسة مثل "رسالة التربيع والتدوير" وضع الجاحظ أسس مدرسته التي تقوم على ركائز عبقرية.

 

لا تُقرأ رسالة التربيع والتدوير بوصفها نصًا في الوصف أو المفاضلة بين الهيئات، ولا باعتبارها رسالة هزلية مرحة هدفها الإضحاك. فهذا النص ينتمي إلى تلك الكتابات المراوغة التي تتخفّى خلف الدعابة، لتؤدّي وظيفة أكثر عمقا: مساءلة آليات العقل حين يتحوّل إلى آلة تصنيف، ويغترّ بقدرته على الإحاطة والتحديد.

يضحك القارئ في البداية، ثم يتعب، ثم يشكّ، قبل أن يدرك أن السخرية لم تكن موجّهة إلى موضوع

الوصف، بل إلى طريقة التفكير نفسها.

 

البعد الفلسفي: صراع الظاهر والباطن، والحقيقة والإدراك

يطرح الجاحظ هنا إشكالية فلسفية عميقة تتجاوز مجرد السخرية من شخص بعينه: ما هي الحقيقة؟ وهل هي ما نراه بحواسنا، أم ما ندركه بعقولنا؟

لم تعد السخرية عند الجاحظ غاية في ذاتها، بل أصبحت وسيلة لاكتشاف الحقيقة. عندما يسخر من خصومه، فهو يدفعنا إلى التفكير في قضايا فلسفية كبرى: ما هي طبيعة الجمال؟ وهل الحقيقة تكمن في ما تراه العين، أم في ما يدركه العقل؟ سخريته هي بمثابة مشرط الجرّاح الذي يزيل طبقات الادعاء للكشف عن الجوهر.

- نسبية الحقيقة الحسية: يضرب الجاحظ في صميم الثقة المطلقة في الحواس. عبارته "لعمري إن العيون لتخطئ، وإن الحواس لتكذب" ليست مجرد تبرير ساخر للممدوح، بل هي إعلان لموقف فلسفي. هو يلمح إلى أن الإدراك البصري (رؤية الناس له "عريضاً") قد يكون خادعاً أو سطحياً.

- سلطة العقل والذهن: في المقابل، يرفع من شأن العقل كأداة وحيدة للوصول إلى اليقين: "والحكم القاطع إلا للذهن وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل". هنا، ينتقل الجاحظ من السخرية الشخصية إلى تقرير مبدأ عام. هو يقول إن الحكم النهائي على الأشياء، بما في ذلك جمال وهيئة الإنسان، يجب أن يصدر من العقل الذي يحلل ويزن الأمور، لا من العين التي تنظر بسطحية.

- سخرية من الذاتية المفرطة: لكن الجاحظ يستخدم هذا المبدأ الفلسفي بطريقة تهكمية. فالشخصية التي يصفها تستعمل هذه الحجة النبيلة ("أنا عند الله طويل جميل") لتبرير عيوبها الجسدية الواضحة. وبهذا، يسخر الجاحظ من أولئك الذين يستخدمون الفلسفة والمثالية لتبرير نقائصهم وإنكار الواقع، محولين الحقيقة إلى مجرد وجهة نظر شخصية تخدم مصالحهم.

البعد الاجتماعي والنفسي: نقد الغرور والمكانة الاجتماعية

النص ليس مجرد سخرية من شكل رجل، بل هو نقد لاذع لطبقة اجتماعية بأكملها في العصر العباسي.

- هجاء "المُحدَثين" (الطبقة الصاعدة): كان أحمد بن عبد الوهاب، المخاطَب في الرسالة، كاتباً في ديوان الخلافة، أي أنه من الطبقة الإدارية التي اكتسبت نفوذاً وثروة. كان هؤلاء "المحدثون" يسعون لتقليد الأرستقراطية القديمة في كل شيء، بما في ذلك المظهر الجسدي الذي كان يُعتبر دليلاً على نبل الأصل (مثل طول القامة ورشاقتها). سخرية الجاحظ من جسد هذا الرجل هي في الحقيقة سخرية من ادعائه لمكانة لا يستحقها. جسده "العريض" و"المستدير" هو رمز لكونه شخصية "مُصطنعة" تفتقر إلى الأصالة والنبل الحقيقي.

- تحليل نفسي للغرور: يقدم الجاحظ تحليلاً دقيقاً لنفسية الرجل المغرور. هو لا يكتفي بوصف شكله، بل يصف آلية دفاعه النفسي. هذا الرجل، في مواجهة النقد، لا يعترف بالحقيقة، بل يلجأ إلى بناء منطق خاص به ("قياسك الذي إليه تنسب") يجعله يرى نفسه مثالياً. هذا "القياس" هو سلاحه ضد الواقع، وهو ما يجعل غروره "لا ينكسر" وجوابه "لا ينقطع".

- خلق الشخصية النموذجية: تجاوز الجاحظ حدود الهجاء الشخصي. فشخصية "البخيل" في كتابه ليست مجرد فلان أو علان، بل هي نموذج نفسي واجتماعي متكامل. هو يحلل دوافع البخلاء ومنطقهم وحيلهم، محولاً إياهم إلى ظاهرة إنسانية. وكذلك شخصية "المربع المدور" أصبحت رمزاً لكل "متعالم" أجوف يعيش صراعاً بين حقيقته وصورته التي يريد فرضها على العالم.

 

البعد اللغوي والأسلوبي: عبقرية الجاحظ في توظيف اللغة

براعة الجاحظ الحقيقية تكمن في قدرته على جعل اللغة نفسها أداة للسخرية.

  • التضاد والمفارقة: النص مبني بالكامل على سلسلة من المتضادات التي تخلق تأثيراً كوميدياً وفكرياً قوياً:
    • الطول والعرض: المحور الرئيس للسخرية.
    • الرشاقة والسمنة: "مقدود رشيق" في زعمه، و"مستفيض الخاصرة" في الواقع.
    • المدح والذم: يبدأ بعبارات تبدو كمديح ("أطال الله بقاءك"، "حسن القامة") ثم يحولها ببراعة إلى ذم لاذع.
    • الحقيقة والوهم: ما هو عليه في "الحقيقة" وما يراه الناس.

 

  • توظيف الثقافة الموسوعية كسلاح تهكمي: عبقرية الجاحظ تكمن في قدرته على استخدام أعقد المعارف أدوات للسخرية. في "التربيع والتدوير"، يستدعي مصطلحات علم الكلام والمنطق والفلسفة ويقحمها في سياق الحديث عن جسد خصمه، فاضحاً بذلك ادعاءه وسطحيته، وساخراً في الوقت ذاته من انشغال العصر بالجدل النظري العقيم. استخدام كلمات مثل "قياس"، "جواب" "حد"، "مذهب" في سياق الحديث عن شكل الجسم هو قمة التهكم. الجاحظ يسخر من انشغال عصره بالجدل الكلامي والفلسفي، ويُظهر كيف يمكن لهذه الأدوات العقلية أن تُستخدم لتبرير السخف.

 

  • التلاعب بالأوزان الشعرية (العروض): عبارته "فأنت المديد، وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب" هي ضربة معلم. هذه ليست مجرد صفات، بل هي أسماء البحور الشعرية في علم العروض. بوصفه بهذه البحور، هو يسخر منه قائلاً: "أنت شخص جمعت فيك كل التناقضات الممكنة، تماماً كشعر يجمع كل الأوزان المختلفة في قصيدة واحدة"، وهو أمر مستحيل وشاذ. إنها استعارة ثقافية مليحة.

 

المديح المفرط والتراكم الوصفي: يعدد الجاحظ صفات الرجل المتناقضة ("لم نر مقدوداً أوسع الجفرة غيرك، ولا رشيقاً مستفيض الخاصرة سواك") ليخلق صورة كاريكاتورية مضحكة ومبالغ فيها، مما يجعل القارئ يتخيل هذا الشكل الغريب الذي يجمع بين الاستدارة والطول. ليكشف هشاشة الأحكام القائمة على الحس والقياس، ويضع القارئ أمام سؤال أعمق: متى يصبح العقل نفسه أداة للخطأ؟

  • دقة الملاحظة والتقاط المفارقة: كان الجاحظ يمتلك عيناً لاقطة ترى ما لا يراه الآخرون. هو يلاحظ التفاصيل الدقيقة في سلوك الناس، ويلتقط المفارقة بين ما يقولونه وما يفعلونه، بين ما يدّعونه وما هم عليه حقاً، وهذا هو جوهر فنه الساخر.

قد علموا أبقاك الله، إن لك مع الطول البادِ راكباً، طولَ الظهرِ جالساً... ومن غرائب ما أُعطيتَ وبديعِ ما أُوتيتَ، إذ لم نَرَ مقدوداً أوسعَ الجُفرةِ غيرَك، ولا رشيقاً مستفيضَ الخاصرةِ سواك. فأنت المديد، وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب. فيا شعراً جمع الأعاريض، ويا شخصاً جمع الاستدارة والطول!"

 

هذا المقطع ليس مجرد قطعة هجاء شخصي، بل هو عمل أدبي مركب متعدد الأبعاد. الجاحظ يستخدم السخرية من شكل رجل واحد لينتقد ظواهر أوسع في مجتمعه: الغرور الإنساني، والادعاء الطبقي، وسوء استخدام الفلسفة والمنطق. هو يطرح أسئلة خالدة حول طبيعة الحقيقة والإدراك، ويفعل كل ذلك بأسلوب لغوي عبقري يمزج بين الجد والهزل، ويستخدم كل أدوات البلاغة العربية ببراعة فائقة ليخلق نصاً لا يزال ممتعاً ومثيراً للتفكير حتى يومنا هذا.

 

لا تقدّم رسالة التربيع والتدوير أطروحة جاهزة، ولا تنتهي إلى حكم نهائي. إنها نصّ مفتوح، يضحك ثم يصمت، ويترك القارئ معلّقًا بين الثقة والشك. وفي هذا التعليق بالذات تكمن قوتها.

فالجاحظ لا يسخر من شخص بعينه، بل من نزعة إنسانية متكرّرة: الرغبة في امتلاك المعنى، والاطمئنان إلى القياس، والاعتقاد بأن كثرة القول دليل فهم. وهكذا تظلّ الرسالة، رغم قدمها، نصًا حيًّا، يذكّرنا بأن العقل، حين لا يسخر من نفسه، يبدأ في فقدان بصيرته.

- وهكذا، أثبت الجاحظ أن الضحك يمكن أن يكون مرادفاً للتفكير، وأن أقوى نقد هو ذلك الذي يأتيك مبتسماً. من بعده، لم يعد ممكناً النظر إلى السخرية كفن ثانوي، بل أصبحت أداة راقية للتعبير عن القلق الفكري والنقد الاجتماعي. ورغم أن بديع الزمان الهمذاني قد صاغها في قالب قصصي، وأن ابن زيدون قد استخدمها كسلاح في معركة عاطفية، فإن روح الجاحظ بقيت حاضرة في جوهر أعمالهم: تلك القدرة على رؤية المفارقة، وتعرية الادعاء، واستخدام اللغة كمرآة تكشف حقيقة الأشياء لا ظاهرها. وفي النهاية، يظل إرث الجاحظ الأكبر هو أنه علّمنا أن ننظر إلى العالم بعين ناقدة ضاحكة، وأن ندرك أن خلف كل قناع من الجدية الزائفة، قد تختبئ حقيقة تستحق أن نبتسم لها.