الاثنين 22 إبريل 2024
كتاب الرأي

مولاي عبد الحكيم الزاوي: درس الاجتماعيات

مولاي عبد الحكيم الزاوي: درس الاجتماعيات مولاي عبد الحكيم الزاوي
 متى أمعننا النظر بعمق الانتقاد لا الارتضاء في تفاصيل درس الاجتماعيات وجب علينا أن نُعيد تدوير المكونات التي تشكل هوية الدرس لفهم أبعاد الأزمة: المادة المعرفية أولا من حيث قدرتها على مواكبة الانشغالات الابستمولوجية والاستجابة لحاجيات مجتمع المعرفة، المُدرس ثانيا من حيث ضمان مواكبة تكوينه الأساسي المستمر وإلتزامه التجديدي واستعداده الذهني؛ المتعلم ثالثا من حيث تأهيله بكفايات وقدرات ومهارات تساعده على تفكيك محيطه السوسيوثقافي والذهني…

لربما كان قدر المادة أن تكون في طليعة المواد التي يمكن أن تقود قاطرة بناء منظومة القيم الإنسانية، وأن تَصرف مضامينها نحو صناعة الفرد المتصالح مع ذاته ومجاله ومجتمعه، وأن تُسلح المتعلم بأدوات مفاهيمية ونقدية قد تُعينه في فهم "أزمة المعنى"، وفي فهم عِقال هذا العقل الإنساني الذي صار مُفرطا في انغلاقيته وكليانيته، بله في استيعاب هذا المشهد الإنساني الغارق في ظلاميته ودوغمائيته.

لا بد من فتح نقاش، والقصد نقاش موسع ومتداخل يجمع بين المتخصصين والممارسين...لأن السياق يفرض ذلك بل ويستوجبه. لأننا إزاء مدرسة غير المدرسة التي أسست لها أدبيات الفكر التربوي التقليدي، مدرسة اليوم تتقاذفها رهانات عولمية مسمومة، وتخترقها قيمه نيوليبرالية موغلة في الإحتراب الاجتماعي...وهي بالتدقيق، "مدرسة الاعتقال" إذا ما استعرنا الوصف الدارويني للكلمة…حيث البقاء للمتوحش، الذي يُحوز معدلات عالية التي تضمن ولوجه بانسيابية سريعة نحو معاهد الافتراس الكبرى، بينما تقذف ب"الفاشلين" نحو غياهب الضياع والتشرد. 

في الواقع، ثمة أسئلة كثيرة تعتمل ضمن خارطة انشغالات درس الاجتماعيات داخل المدرسة المغربية، من حيث هو درس معرفي يجب أن يمتلك القدرة تفكيك وهدم كرنوزوفيات التفكير المُغلق، وبما له من قدرة أيضا على صياغة سردية تنويرية جديدة ومتجددة لأسئلة الإنسان والإنسانية في عالم شديد التحول والانزياح…في مدار لحظية تربوية تتسم بطغيان الهشاشة والتسطيح...يسير درس الاجتماعيات بروافده الثلاث بدون بوصلة،  ويظهر فاقدا للمعنى، مُرتكنا في أقبية الظلام، أوَ ليس انغلاق المعرفة يقود بالضرورة نحو انغلاق الواقع بتوصيف إدغار موران؟ فهل لا يزال درس الاجتماعيات قادرا على إنتاج المعنى بالنسبة للإنسان المعاصر بالمعنى الفلسفي؟ هل يستطيع أن يُحصن المُتعلم من خطابات توثين العقل ونعيمية العولمة الاستهلاكية والحداثة المادية والثورة التقنية الاستيلابية؟ هل قُدِّر للمدرسة المعاصرة في زمن الميديا الحديثة أن تخون العقل الأنواري، وتنزلق في تشعبات الحداثة من إنسية مفرطة وديكتاتوريات شمولية وحروب…؟

لربما في زمن الانهيار الناسف للمعنى، تغدو الحاجة ملحة لإعادة بلورة مفهوم درس الاجتماعيات، للإجابة عن سؤال المعنى المفقود في النظام العام الأشياء بالمعنى الأنثربولوجي، برؤية إنسية جديدة قادرة على إنقاذ المُتعلم من العزلة والتعاسة ومظاهر الإحباط، من كل أشكال الإقصاء التي يتعرض لها في جُل مؤسساته الاجتماعية الكلاسيكية. تم هل أصبح خطاب المادة يحمل أدوات الإقناع في ذاته، يحمل صلابة في بنائه؟ هل درس الاجتماعيات اليوم قادر على الإجابة عن إشكالات تقع في خط التماس مع مباحث نظرية قريبة، عن جنون العقل، عن سؤال المعنى والوجود، عن فوضى الحواس وتنميط الذوق، عن الإنسان ذي البعد الواحد بتوصيف هربرت ماركوز؟ هل يستطيع سَدنة المادة وحواريوها على الأقل أن يناضلوا من قلب أدوات اشتغالهم في كسر تمثلات وأقانيم رافقت وسترافق المُتعلمين عن المادة، في المدرسة كما الجامعة ومنهما إلى المجتمع؟ هل فقد آل الزمن والمجال عصا قيادة العلوم الاجتماعية منسحبين من معركة رهان القوة لفائدة تلك القراءات العُصابية المتصلبة؟

أن نتقاسم جميعا هَم التفكير في مادة معرفية مُتموجة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية فارقة يصير قلقا ابستمولوجيا وديداكتيكيا، وانشغالا أنطولوجيا يفرضه واقع الحال والمآل، ضمن لحظية زمانية مطبوعة بتراجيديات حضارية وإنسانية صعبة، استطاعت أن تقضم مكتسبات وإواليات ناضل من أجلها جيل الرواد، وتخلى عنها طوعا أو كرها جيل المُدرسين الجدد، فهل يعيش درس الاجتماعيات اليوم زمن الردَّة الابستمولوجية والديداكتيكية؟ هل حان الوقت لفتح نقاش عميق حول مشهد تربوي يشهد الجميع على دراميته في إنتاج اللامعنى والفوضى الخلاقة؟

قد لا يعتبر الأمر حكم قيمة يغالي في تعميد الأحكام، بقدر ما يتعلق الأمر بمُعاينة امبريقية تمتح من عمق الواقع وهواجسه، لعله زمن النكوص كما يسميه سيغموند بومان، حيث لم يعد الانتساب إلى المادة شرفا وحظوة معرفية، مقابل جاذبية مباحث وتخصصات اقتصاد السوق والماركتينغ المعرفي.
 
عبد الحكيم الزاوي/ناقد وباحث