الأربعاء 24 إبريل 2024
كتاب الرأي

حلحول: القاضي المتقاعد.. بين قاضي الأمس ومحامي اليوم

حلحول: القاضي المتقاعد.. بين قاضي الأمس ومحامي اليوم حسن حلحول، محام بهيئة الرباط
كيف ينظر القاضي إلى المحاماة وهو قاضي؟
وكيف ينظر القاضي وهو محامي إلى القضاء؟
ما هو أكيد ومما لا ريب فيه، أن النظر إلى الأشياء تختلف وتتبدل باختلاف المواقع والأدوار التي يضطلع بها الإنسان، أو التي تناط به في حياته العملية، ومن ثم فإن إدراكها إدراكا حقيقيا لا يكون إلا من خلال الممارسة الفعلية لها، فكم ذا منهم يرى المحاماة أنها عمل بسيط علما أن البسيط أعقد من المركب. 
جرت العادة في الدول العربية عامة وفي المغرب خاصة، أن القضاة في النهاية يلتحقون بمهنة المحاماة، وأن أثناء ممارستهم لهذه الأخيرة ينكشف لهم الغطاء حول ما كانوا يجهلونه عن المحاماة، فيظهر لهم الوجه الحقيقي المتمثل في الحقيقة التي يؤمن بها القاضي وهو محامي، غير التي يؤمن بها القاضي وهو قاضي. 
مسار القاضي من القضاء إلى المحاماة:
كانت هناك جزيرة الأنوار والسعادة، تتواجد في مكان بعيد جغرافيا عن المدن المجاورة من الإخوان من الرضاعة، حيث يعيش الناس فيها عيشة هنيئة لا خلافات فكرية ولا صراعات عقائدية، ولا يمارسون السياسة، ولا يجوز لهم الخروج منها، إلا إذا توفرت فيهم شروط محددة، بإحكام صيغت هذه الشروط صياغة جامدة غير قابلة للتأويل لارتباطها بالسن. يدينون بالدين المطلق الذي لا يقبل النسبية، نسبة إلى مجلس الحكماء الذي يتكون من قضاة  معصومين من الخطأ، هم  حكماء القوم لا يترأسهم أحد في جلسة الحكم أو أثناء صك المتابعة التي يتابع ويحاكم الناس من أجلها، لأنه متى كان هناك رئيس كان هناك الاختلاف بين أعضائهم بالضرورة، ولما كان مجتمع جزيرة الأنوار يتعايش فيها الناس فيما بينهم بانسجام تام ولا يعرفون الاختلاف في كل الأمور الحياتية، فإن القضاة الحكماء المكونين للمحاكم لا يختلفون في مجلسهم ولا يعرفون الاختلاف في قاموسهم، فهم المطلق إلا من رحم ربك أي يعرفون كل شيء. لقد فرضوا على أنفسهم العزلة الثقافية ومنعوا أنفسهم من الاختلاط والاحتكاك مع شعب هو أقرب الناس إليهم، وبالمناسبة أفتح القوس وأشير إلى أن هذه العشيرة قبل أن تعزل نفسها عن محيطها، كانت العلاقة بينها وبين محيطها تتميز بالتبادل الفكري والنظري والمعياري على المستوى المعارف القانونية والابستمولوجية، كما كانت تتميز بالبحث والتنقيب عن الحقيقة والعدالة، خاصة أثناء إعلان عن وقت بدء العبادة التي يؤمها قاضي من القضاة في رحاب المعبد، تحفه كما تحفه المرافعة التي تقام في حضرته، وكان التعايش السلمي والتعاون المتبادل من شيم ثقافتهم، ولما تطور الدين عندهم، اعتبر مبدأ الاختلاف عندهم خطيئة في ذاته، وجب على عشيرتهم إعادة ترتيبهم على مبدأ الابتعاد عن الكل بالاستماتة والعزيمة، وتحديد لهم معالم الطريق، فمن زاغ عنها فهو ملحد يشهر في وجهه التقاعد، ومن ثم، تم تلقينهم دروسا في هذا الشأن، لأن الآلهة حرمت عليهم ومنعهتم من الاقتراب إلى الأجناس الآخرى، وظنوا أن هذه هي  الوسيلة الوحيدة لتحقيق الفضيلة التي منتها عليهم وخصتهم به آلهتهم لكي يتميزوا بها عن باقي الخلق، فاعتقدوا أن جميع البشر يأتون بالرذائل وهذه الخصلة الذميمة مضغة منزوعة منهم بفضل ما يصدر من حكم بإحكام من حكمائهم مستمدة من تعاليم حكمهم الدينية، وتوجيهاتهم في الطقوس والشرائع، فالتدين بدينهم في نظرهم يصونهم من الرذيلة، والعمل بتوصياتهم وبوسيلتهم يجنبهم الخطيئة، والتمسك بطقوسهم تحصنهم من الشائبات والشائنات التي قد تلصق بهم، وترسخ لديهم فكرا وعقيدة أنهم الشعب الذي لا يعرف الخطأ مطلقا، ولازمهم هذا الشعور طيلة فترة عيشهم في الجزيرة حتى أنهم نسوا طبيعة الحياة العادية لطول المدة التي مكثوها يدينون بدينهم، وأن المطلق عندهم هو ما ينطقون به، وأن ما دون ذلك إفك وباطل، وأن الأرقام القياسية العالمية تحميهم من كل سوء وتحرزهم من كل شر قد يحدق بهم، وأن البقاء طويلا في التداول والتأمل في ملكوت السماوات والأرض بدعة وكل بدعة يؤدي إلى الاختلاف والاختلاف ضلالة وكل ضلالة تؤدي إلى المساءلة، لأن في علمهم اليقيني أن الإسراع بواسطة القفز بالخطوات من مسائل الرياضيات التي لا يخطئ فيها عالم الرياضيات في حساباتها البديهية، وأن جادة الصواب وجودة الرأي يكمن في علم الرياضيات في الأعداد وليس في المضمون، لأن العرب اخترعت الصفر وبقيت على حالتها، فهناك من يرى أن الصفر يعد  الركن الأساسي في كل عملية حسابية، وهناك من يرى أن رقم واحد افضل من الصفر لدوره العددي في الحساب وليس كالصفر الذي لا يعني أي شيء، فحار الحائرون من الحواريين وهم صفوة القضاة، فنادوا نداءا جهارا ما عهدنا بهذه الحسابات في أحكامنا أونفصل بين الأعداد أم بين الحقوق، عاهدنا الله على إحقاق الحق والعدل والإنصاف وما عهدناه على الإعداد والإحصاء، فهذه المسألة الأخيرة من اختصاص علماء الرياضيات وليس من اختصاصهم.
سئم الناس الحساب والاحصاء  والأعداد والأرقام، وفتحت أبواب الجنة لمن يتقن الحساب ليترقى، ولا يراع العدل الإلهي ولا  مفهوم الحق والحقوق والواجبات، فكان ما كان في زمن الحساب، وعد الحساب من علامة العدل والمساواة بين الناس.
وفي مضمار التدين بدين العددية المتمثل في الأرقام ضاعت الحقوق معها فبدأ الحكماء يهرولون ليسبحوا بالأعداد بكرة وأصيلا، بزغ عهد جديد وهو عهد الرقمية ما كان معروفا عندهم، اعتقد من يشرف على معبد العدالة أن  إصلاحها يكمن في الكم وليس في الكيف.
ولما وصل ببعضهم السن المسموح به بمغادرة جزيرة الأنوار خرجوا منها، ولم يقتصر الأمر على كبار السن فحسب، بل في الآونة الأخيرة كثرت طلبات تأشيرة الخروج منها من ذوي صغار السن بعد أن وافق لهم  حكماؤهم على طلباتهم. ركبوا سفينة نوح لتخرجهم من جزيرة الانوار والسعادة ولتقطع بهم البحر إلى الضفة الأخرى حيث الحرية، فنادى منادي أن اخرجوا منها سالمين إلى مدينة الحرية والأمان وهي المدينة  المجاورة لكم، أهلها يلبسون لباسا أسودا يحمل رقعة بيضاء للدلالة على الأمل في الحياة، وأهلها يربطهم بكم أواصر القرابة، وهي أخت لكم من الرضاعة وجزء لا يتجزأ من أسرتكم، بيد أنها تختلف عنكم في الجوهر، فهم يؤمنون بالاختلاف، ويتحركون في كل المجالات ولا تحدهم الحدود، أهلها يمارسون السياسة  ويتفننون في الدفاع عن جميع الناس بمختلف طبقاتهم بؤساء فقراء أغنياء سياسيين وزراء…من أجل رفع الظلم ونصرة الحق والقانون، لا يخافون لومة لائم ،كلماتهم قوية ومعانيها ثقيلة يعلنونها جهارا تهز بها أركان القواعد القانونية الآمرة، يفحم بها كل خطاب دكتاتوري، ولا يمنعهم في قول الحق الانتماء السياسي والعقائدي، مجالها واسع وفضاؤها اللانهائي، سرمدية لا تقاعد ولا إقالة فيها، مبدؤها الاستقامة والاستقلالية والحصانة الذاتية والجماعية.
ولما اطلع هؤلاء الوافدون على أسرارها، قالوا أن لنا هذه الخيرات؟ لو اطلعنا الغيب على ما نشاهده وما نعيشه اليوم، ما كنا ماكثين في جزيرة الانوار والسعادة يوما واحدا، وتأكد لديهم أن المطلق الذي عاشوه وهم وأحلام لا علاقة له بالواقع، وأن الحياة لا تستقيم بدون نقيضها وهي النسبية، فالله خلق الجنة والنار لكي يتعظ الانسان ويستفيد من الأخطاء فلا يمكن حمل الحياة بدون أخطاء وإلا ستكون مهجورة مضجورة، لا ذوق لها ولاطعم، ولقد تأكد لهم من خلال الممارسة في الحياة الجديدة (المحاماة) التي التحقوا بها، أنهم يتقدمون برفع قضية إلى القضاء يترافعون فيها بكل ما أوتوا من العلم من جزيرة الأنوار والسعادة، وهم على يقين أنها لفائدتهم باعتبارهم سبق أن خاضوا فيها في جزيرة الأنوار التي كانوا يحكمون فيها، وإذا بهم يفاجئون بالرفض، وإذا بهم يحتجون وينتقدون ويعتبرون الحكم غير صائب وجائر، فيقولون يا ويلتنا ما كنا عالمين بهذا، وإذ كانوا يبتون في قضايا بالرفض في جزيرتهم وبعد أن انتقلوا الى الإخوة من الرضاعة، اعتبروا هذا الرفض خطأ عندما مارس الدفاع عن موكليه.
وحاصل الكلام أن الأصل في الإنسان أنه يتصف بالنسبية  وليس بالمطلق، الأفكار تتغير حسب المواقع، وبهذه الفلسفة في الحياة يصل الإنسان إلى كنه الموضوع ويكفي قولهم إنه لأول مرة يستنشقون نسيم الحرية بعيدا عن  مراقبة الذات، والخوف من الخطأ الذي قد يفسر رذيلة يؤدي إلى المساءلة، والتخلص من الحرص الشديد في حركاتهم وسكناتهم في روابطهم وعلاقاتهم الإنسانية والاجتماعية داخل المجتمع،
كما جاء على لسان أحد السفسطائيين "تراسيماخوس" إن العدالة هي مصلحة الأقوى، وأن من يدعي العدالة يتصور فقط العدالة كما يراها لا كما يجب أن تكون، ولا وجود للحقيقة المطلقة".