الجمعة 7 أكتوبر 2022
كتاب الرأي

الفرفار العياشي: تصريحات الريسوني بين المعرفة والاعتراف

الفرفار العياشي: تصريحات الريسوني بين المعرفة والاعتراف الفرفار العياشي
تصريحات أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول تاريخ المنطقة، والزحف نحو تندوف أثارت الكثير من ردود الفعل المتباينة.   

البعض اعتبرها تصريحات مستفزة، والبعض  صرح انها  خارج السياق الديبلوماسي، وهناك من اعتبر أنها خطاب الفتنة. 

بيان هيئة الاتحاد العالمي اعتبرت  أنها تصريحات  فردية،  مع الحرص على احترام الحق الشخصي في التعبيير .
أمام كثافة ردود الفعل ثمة سؤال أساسي ينبغي أن يطرح هل اخطأ الدكتور أحمد الريسوني؟.
 
هو بلاشك تصريح كثيف وعميق، وأن أي قراءة سطحية  ستكون مضللة و منتجة للغموض  والارتباك، وهو ما هو يستدعي  قراءة متعددة الأبعاد تفاديا لأي انزلاق.

يمكن التوقف على الاقل  عند  لحظتين أساسيتين (المعرفة والاعتراف) من أجل الفهم والإمساك بطبيعة التصريح، وادراك التمايز  بين  عتبتي  المعرفة والاعتراف داخل التصريح.

معرفة تاريخ المنطقة كلحظة أولى،  والاعتراف بسيادة البلد الشقيق موريتانيا كلحظة ثانية.  
الريسوني في لحظة المعرفة تحدث عن واقع تاريخي قبل المرحلة الاستعمارية وقبل الحدود الاستعمارية. هنا الريسوني يستحضر تاريخا معروفا، لا يمكن نسيانه او تجاهله،  أو حتى مسحه وتجاهله لانه ليس فعلا سرديا، وأنما  هو تاريخ معروف يستمد شرعيته من مرجعيات الاثار المادية و الشواهد التاريخية و نتائج الأبحاث و الدراسات الانتربَولوجية. 

من يهاجمون تصريحات  الريسوني - حين استعاد جزءا من  تاريخ المنطقة - عليهم اثبات العكس. من خلال  كشف  تاريخ َمغاير! بعيدا عن الخطابات والتواريخ السردية للمنطقة، وبالتالي تقديم تاريخ جديد للمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلوبيين في علاقتهم بالمنطقة من فاس ومراكش إلى حدود نهر السنغال؟.
 
قبل الاستعمار الفرنسي كانت الحدود ذات طابع ديني وثقافي،  حيت اللغة والدين أساس الهوية والدولة، وبالتالي أساس بناء الحدود بين الدول. 
أن الحداثة الغربية و منتجاتها جعلت التاريخ علما ، واستبدلت الحدود الثقافية بخطوط الخرائط ورسوماتها. مما يعني أن الدولة هي منتوج الحداثة في المجال السياسي حسب نظريات  فلاسفة العقد الاجتماعي.

أن لقاء الحداثة مع بلدان شمال افريقيا كان عبر مرحلة الاستعمار، أي أن حدود الدول اثناء هذه المرحلة وبعدها لم تعد محددة بأسس الهوية الدينية، وإنما بقرارات سلطة وارادة وخرائط المستعمر، حيت الخريطة مجرد تمثيل رسومي أنتجته القوة الاستعمارية. في هذه اللحظة الريسوني يعلن حنينه الى  الدولة قبل الحداثة، تلك التي تبنى  على أساس ديني. 

اللحظة الثانية في تصريح الريسوني والتي اعتقد انه افتقد فيها فقه الواقع حين انتصر للماضي و تجاهل الواقع الدبلوماسي مع موريطانيا.
اليوم نحن في حاجة الى فقه الواقع أي فقه واقعي يتعايش مع الواقع ولا يلغيه، فقه يجعل من الماضي شرطا لاضاءة الواقع  من أجل حسن الإقامة فيه ، وليس الغاء  الحاضر من أجل استعادة الماضي فالماضي تتحدد  قيمته وقيمه ليس في استرجاعه وحضوره ، وإنما  في الاستفادة من احداثه.

المملكة المغربية تحرص على سيادة موريطانيا وتعترف بذلك وتحرص على حسن الجوار ووحده التاريخ والمصير المشترك . لدرجة أن تصريح مخالف للاعراف الدبلوماسية لأمين عام حزب الاستقلال سنة 2016 حول موريطانيا قوبل بالرفض والادانة، وفي اقل من  أسبوع الملك يرسل الملك رئيس الحكومة وزير الخارجية إلى  نواكشوض  من أجل  التعبير عن الموقف الرسمي للمملكة.

حينها وصفت وزارة الشؤون الخارجية المغربية تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، بأنها "خطيرة وغير مسؤولة"، و"تضر بالعلاقات مع بلد جار وشقيق وينم عن جهل عميق بتوجهات الدبلوماسية المغربية".
الريسوني لم يخطئ في اللحظة الأولى، وأخطأ في اللحظة الثانية حين تجاهل  توابث الديبلوماسية المغربية ورؤية جلالة الملك اتجاه الشقيقة موريطانيا. طبيعة الخطأ تكمن في  رؤية حاضر العلاقات مع الشقيقة موريطانيا عبر بوابة الماضي حتى ولوكان هذا الماضي  صحيحا. 

الريسوني لم يخطئ في التذكير بجزء من تاريخ المنطقة، و أخطأ في ادراك طبيعة اللحظة السياسية الراهن، وأن سيادة موريطانيا خط أحمر للمملكة. 
أما  بخصوص السعار الجزائري من التصريحات فهي متوقعة لأن النظام الجزائري جعل  المغرب  شأنا جزائريا يوميا، مئات المواقع والصحفات وجيش افتراضي مدعم من المخابرات والجيش لمهاجمة المغرب وبطرق فجة وبالكثير من الانحطاط والانحدار لاسيما بعد الخطاب الملكي الداعي الى بناء الجسور والتعاون و تقوية المشترك.

حجم التشنج و الحقد غير قابل للتحديد، وصل ألى درجة السعار، أن أي نقاش  ينبغي أن يكون هجوما على المملكة. 
البارح حالة استنفار غريبة بعد تصريح رئيس رابطة علماء المسلمين حول تاريخ المغرب قبل الحدود الاستعمارية.
أعدت الاستماع إلى التصريح اكثر من مرة، لم أجد فيه مايثير الغضب والسعار الجزائري بخصوص الزحف الى تندوف  فالتصريح مسبوق بشرط واقف، أي دعوة الملك إلى الجهاد من أجل تندوف،  فإن استجابة المغاربة فورية وبالنفس والمال (هنا تكمن قوة التصريح ).

أما عن الشقيقة موريطانيا فان التاريخ معروف، ولايكمن تغييره، والحاضر معترف به حيت الدولة المغربية تعترف بموريطانيا كدولة اسلامية ذات سيادة. 
تصريح العلامة الريسوني ازعج جنيرالات الجزائر لسبب بسيط لانه كشف لهم قوة المملكة التي تكمن في قوة الترابط بين الملك و الشعب.
وأنه إذا دعا الملك استجاب الشعب.
 
الفرفار العياشي/ أستاذ علم الاجتماع جامعة ابن زهر و نائب برلماني