الاثنين 6 ديسمبر 2021
في الصميم

عصابة الجزائر: بؤس التاريخ والجغرافيا والسياسة!

عصابة الجزائر: بؤس التاريخ والجغرافيا والسياسة! عبد الرحيم أريري

لا يتوقف الفرق بين المغرب والجزائر عند مستوى التاريخ، على اعتبار أن بلادنا دولة يعود تاريخها إلى أزيد من 1200 سنة، عكس الجزائر التي هي دولة حديثة لا يتجاوز عمرها ستين سنة. الفرق في مجال آخر، ويتمثل بالأساس في كون المغرب يعرف كيف يحسن إعمار مناطقه الجنوبية، بينما أخفقت الجزائر في إعمار امتدادها الجنوبية، بدليل أن كل درهم يأخذ المغرب من الجنوب يضع مقابله 7 دراهم في الاستثمار داخل تلك الأقاليم، بخلاف الجزائر التي تأخذ 98 في المائة من الموارد العامة من تلك المناطق بالنظر إلى ما تحتويه من نفط وغاز. ولكن،  وأسفاه!، لا نجد بالكاد سوى 1.2 في المائة من العائد الاستثماري الذي تستفيد منه مدنها الجنوبية.

 

ولقد سبق أن أبرزنا، في ورقة سابقة، كيف تمكن المغرب، على مستوى الشبكة الطرقية، من تلحيم مناطقه الجنوبية بدءا من الكركرات إلى طنجة وكيف قفزت الشبكة الطرقية بأقاليم الصحراء.

 

في هذا الإطار نود اليوم أن نتحدث عن مجال آخر يعكس تفوقنا على الجزائر، ويهم ملف الإعمار والإسكان، وذلك لنبرز كيف استطاع المغرب أن يقوم بمجهود عمومي بهذا الخصوص، علما بأن المغرب حين استعاد صحراءه لم تكن هناك سوى بضع بنايات محدودة لإيواء الجنود الإسبان. لكن وبدءا من 1975 إلى مطلع الألفية الثالثة، أنجز المغرب 40 ألف وحدة سكنية في كل من الداخلة والعيون وبوجدور والسمارة وغيرها. وهذه الدور التي بنيت هناك كان يلزم لبث الحياة فيها مجهودا موازيا يتمثل في توفير التجهيزات والبنيات التحتية التي تهم الماء الشروب والطرق والكهرباء والاتصالات السلكية والواد الحار. وهذا ما كلف  2.5 مليار درهم. أما كلفة البناء الذاتي فقد بلغت 16 مليار درهم.

 

لكن  المغرب لم يتوقف عند هذا الحد فالنجاح في إعمار مدن الجنوب، فتح أفقا آخر للسلطات العمومية  تمثل في خلق شركة خاصة هي "شركة عمران الجنوب" كأحد أذرع الدولة وآلياتها للتدخل، وسد الخصاص في هذا الجانب أو ذاك بالأقاليم الجنوبية.

 

ولقد قامت هذه الشركة فعلا بمشاريع متعددة لا يسمح المقام بسردها جميعا، لكننا سنكتفي بتسليط الضوء على مشروع أساسي واحد، ألا وهو المشروع السكني الأهم لفترة 2008ـ 2016، والذي رصدت له كلفة للتجهيز بمبلغ 5.2 مليار درهم قصد توفير 87 ألف وحدة سكنية، موزعة على القضاء على مخيمات الصفيح التي كانت تعرف باسم "مخيمات الوحدة" عبر تخصيص 25 ألف بقعة لهؤلاء، بالإضافة إلى 15 ألف بقعة للاستجابة إلى طلبات وحاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، والباقي للتأهيل الحضري.

 

أما المشاريع الأخرى المفوض لتلك الشركة إنجازها في إطار Maitrise d ouvrage delegue، أي المشاريع المفوض لها إنجازها لفائدة الغير (حكومة كانت أو جماعة أو غيرها)، فهذه الإنجازات تغطي حاجيات 31 ألف بقعة.

 

واليوم (سنة 2021)، هناك 24 مشروعا في إطار الدراسة قصد الإنجاز . وهي مشاريع تستهدف توفير 53 ألف بقعة لتغطية حاجيات المناطق الجنوبية موزعة على 28 ألف بقعة موجهة للتأهيل الحضري، والباقي كبقع  جديدة مطروحة في السوق لمسايرة التطور العمراني، لأن الدينامية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المناطق الجنوبية خلقت ضغطا وطلبا على قطاع الإسكان.

 

إذا جمعنا كل مكونات المجهود المنجز من سنة 1975 إلى الآن، أي قيمة ما أنجزه المغرب، فقط في هذا الشق الخاص بالإعمار والسكن، سنحصل على مبلغ 77 مليار درهم، أي ما يعادل 7700 مليار سنتيم. وهنا جوهر الفرق بيننا والجزائر حيث الصحراء المغربية صارت تشع بهاء وعمرانا وامتدادا حضاريا، في حين، لا يزال جنوب الجزائر يعيش حياة بدائية. والدليل أن سكان بلدة تينزواتين، التي توجد في الحدود مع مالي، لايزالون إلى الآن لا يعرفون ما معنى  طبيب أو ممرضة، وأن النساء لا يلدن إلا في خيام ضمن ظروف جد صعبة ولا إنسانية.

 

ولو كانت هناك إرادة لدى العسكر في الجزائر لتم بناء 2.5 مليون سكن لتغطية حاجيات مدن الجنوب الجزائري.

 

لم نتحدث عن تندوف لأن مخيماتها تحضن ما يقارب 40 ألف نسمة. ولو فتح الباب لهؤلاء المحتجزين، سواء لصحراويي المغرب أو مالي أو النيجر وغيرهم من الساكنة بمخيمات تندوف، لهيأ لهم المغرب بنية استقبال إعمارية قد تكلفنا فقط  حوالي 1.6 مليار درهم، أي ما يعادل 0.02 في المائة مما رصدته الدولة المغربية من ميزانيات لإعمار كل مناطقنا الجنوبية.

 

هذا بالضبط ما يفسر أحد عوامل حقد العصابة هناك على المغرب، خاصة حين ترى كيف تمكن المغرب من جعل صحرائه المسترجعة واحة تعج بالاستثمارات والخيرات، في الوقت الذي ظلت فيه صحراء الجزائر، التي تعج بالغاز والنفط، صحراء بالمعنى الحقيقي. إذ بدل أن تكون تلك المناطق هي دبي إفريقيا، أو كاليفورنيا إفريقيا، تحولت صحراء الجزائر إلى جنوب سودان شمال إفريقيا.