إن اقتحام قوات أمريكية خاصة للعاصمة كاراكاس، واختطاف الرئيس الفنزويلي المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما خلال مداهمة ليلية، مصحوبة بشلّ القدرات العسكرية وإظلام المدينة، ليس “إنجازًا أمنيًا”، بل فعل عدواني منظم يضرب في العمق مبدأ سيادة الدول، ويعيد إلى الأذهان أكثر فصول الإمبريالية توحشًا.
أولًا: جريمة اختطاف سياسي وفق التعريف الدولي
تُعرّف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (المادة 2 والديباجة) الاختفاء القسري بأنه:
“الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص يتصرفون بإذن أو دعم أو موافقة الدولة، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.”
كما حدّد تقرير مجلس حقوق الإنسان (A/HRC/16/48/Add.3) ثلاثة عناصر متراكبة للاختفاء القسري:
· الحرمان من الحرية ضد إرادة الشخص المعني؛
· ضلوع مسؤولين حكوميين، على الأقل بالقبول الضمني؛
· إنكار أو إخفاء مصير المختطَف أو مكان وجوده.
وبإسقاط هذه المعايير على ما وقع في فنزويلا، يتبيّن بوضوح أن العملية الأمريكية تستوفي جميع عناصر الجريمة:
o حرمان رئيس دولة ذات سيادة من حريته بالقوة العسكرية؛
o تنفيذ العملية مباشرة من طرف مؤسسات الدولة الأمريكية؛
o فرض أمر واقع عسكري-سياسي خارج أي إطار قانوني دولي.
إن الحصانات الوظيفية أو ادعاءات “الضرورة الأمنية” لا يمكن، قانونًا ولا أخلاقيًا، أن تشكّل غطاءً لجرائم خطيرة من هذا الحجم.
ثانيًا: من خطاب “الأمن” إلى ممارسة إرهاب الدولة
حين يصرّح رئيس الولايات المتحدة علنًا بأن “أي دولة في العالم لا يمكنها إنجاز ما حققته أمريكا”، ويفاخر بإظلام كاراكاس وشلّ قدراتها العسكرية، ويهدد بـ“موجة ثانية أكبر بكثير”، فنحن لسنا أمام خطاب ردع، بل أمام تبنٍّ صريح لمنطق الإرهاب السياسي.
الإرهاب لا يُختزل في أفعال جماعات غير دولية، بل يشمل – وفق مقاربة حقوقية متقدمة – استخدام الدولة للعنف المنهجي خارج القانون لبثّ الرعب، وفرض إرادة سياسية، وتحقيق مكاسب استراتيجية أو اقتصادية.
ومن هذا المنظور، فإن ما جرى في فنزويلا هو إرهاب دولة مكتمل المعالم، ويجب الاعتراف به كذلك.
ثالثًا: النفط كدافع خفي… والاشتراكية كذريعة
لم يترك دونالد ترامب مجالًا للالتباس حين أعلن نيته إرسال “شركات النفط الأمريكية الضخمة” لإدارة البنية التحتية للطاقة في فنزويلا، مؤكدًا أنها “ستبدأ في جني الأموال”.
كما اعتبر، بوضوح صادم، أن النفط “من حقه”، وأن الاشتراكيين – دولةً وشعبًا – “سرقوا” ما يعتبره حقًا أمريكيًا.
هنا، ينكشف الجوهر الحقيقي للعملية:
ليست ديمقراطية، ولا حقوق إنسان، ولا حماية شعب، بل استرداد عدواني للثروات، وتجريم لخيار اقتصادي-سيادي مستقل فقط لأنه لا ينسجم مع منطق الرأسمالية المتوحشة.
رابعًا: ذريعة “التدخل الإنساني”… تاريخ من الهيمنة
إن أخطر ما في هذه الجريمة ليس فقط فعل الاختطاف، بل الإطار الخطابي الذي يشرعنه.
فذريعة “التدخل الإنساني” لطالما استُخدمت لانقلاب ممنهج على الشرعيات الوطنية:
o في غرينادا (1983): “إنقاذ الديمقراطية” كان غطاءً لكسر توازن إقليمي؛
o في أفغانستان: “محاربة الإرهاب” انتهت بتفكيك الدولة وإدامة الحرب؛
o في العراق: “أسلحة الدمار الشامل” قادت إلى دمار شامل دون محاسبة؛
o في كوبا: حصار وعقوبات باسم “حقوق الإنسان” لإخضاع خيار سيادي مستقل.
هذه النماذج تؤكد أن الخطاب الإنساني، حين يُفرغ من بعده التحرري، يتحول إلى أداة هيمنة لا إلى حماية للإنسان.
خامسًا: الأمن بدون حقوق الإنسان ليس أمنًا
إن الرسالة الأساسية التي يجب التمسك بها اليوم هي أن: الأمن بدون حقوق الإنسان ليس أمنًا، بل فوضى مقنّعة.
وأن: التعريف الغامض للإرهاب ليس حماية، بل سلاح سياسي يُستخدم ضد الشعوب والدول المستقلة.
لذلك، فإننا ندعو:
o إلى تعريف دولي واضح ومحدد للإرهاب، يشمل إرهاب الدولة؛
o إلى رفض أي تشريع فضفاض لمكافحة الإرهاب؛
o إلى حماية الحيز المدني والاحتجاج السلمي؛
o إلى منع عسكرة الأمن الداخلي؛
o إلى وضع حقوق الإنسان في صميم السياسات الأمنية.
سادسًا: تواطؤ المنتظم الدولي وصمت القوى الظلامية
لا يقل فداحة عن الجريمة نفسها صمت المنتظم الدولي، وتواطؤ قوى كبرى، من بينها روسيا والصين، حيث باتت “البيانات شديدة اللهجة” بلا معنى في عالم تحكمه المصالح.
وفي السياق الداخلي، يفضح هذا الحدث ازدواجية وخيانة القوى الظلامية الرجعية التي ترفع شعارات “مناهضة الإمبريالية” انتقائيًا، وتسكت عن جريمة اختطاف دولة وشعب بأكمله.
إن “الحياد” في لحظة كهذه ليس موقفًا، بل تواطؤًا.
خاتمة: معركة السيادة وكرامة الإنسان
إن مناهضة الديكتاتوريات وبناء البدائل الديمقراطية تظل، في الأصل والمآل، حقًا ومسؤولية تاريخية للشعوب نفسها، لا ذريعة لتدخل عسكري أو اختطاف سياسي أو نهب للثروات.
ما وقع في فنزويلا ليس حادثًا معزولًا، بل إنذارًا عالميًا:
إما قانون دولي يحمي الشعوب فعلًا،
أو عالم تحكمه شريعة القوة، حيث يُختطف الرؤساء، وتُنهب الثروات، ويُسمّى ذلك “أمنًا”.
والتاريخ، مهما طال الزمن، لا ينسى.
مولاي أحمد الدريدي، فاعل حقوقي؛ دكتوراه في السياسات الصحية وحقوق الإنسان، منسق الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب،
الكاتب العام للمركز المغربي من اجل ديمقراطية الانتخابات

