مضت خمس وسبعون سنة (75) على اعتماد منظمة الأمم المتحدة لاتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين (28 يوليوز 1951). وتعتبر هذه الاتفاقية التي توصف ب " ما كنا كارتا اللاجئين" « Magna carta» وبروتوكول نيويورك لسنة 1967 الإضافي والمكمل لها، حجر الزاوية للنظام المعاصر لحماية اللاجئين بالإضافة الى الأدوات الاتفاقية الجهوية المتعلقة بحماية اللاجئين التي تم اعتمادها في مراحل لاحقة.
وتنظم بنود هذه الاتفاقية الوضع الدولي للاجئ، حيث أنها اعتمدت تعريفا عالميا تخلى عن المقاربة الفئوية والجماعية التي كانت سائدة في السابق و التي كان اللاجئون يصنفون على أساسها خلال مرحلة ما بين الحربين، بحسب أصولهم الوطنية أو انتماءاتهم العرقية والطائفية (اللاجئون الروس والألمان والأرمن أ واللاجئون الكلدان أو الأشوريون...،) وأصبح تعريف اللاجئ يكتسي طابعا عالميا ومجرّدا تحدّده معايير وشروط وعناصر ترتكز على فكرة أساسية هي شعور "كل شخص" بالخوف من التعرض للاضطهاد، شريطة أن يكون لهذا الشعور بالخوف ما يبرره من الأسباب الموضوعية التي حددتها الاتفاقية على سبيل الحصر. وتعترف هذه الاتفاقية للاجئ بمجموعة من الحقوق والحريات والضمانات الأساسية، كما حدّدت بموجب ما يعرف ب "بنود الانقضاء والاستبعاد" بعض الحالات والفئات التي لا تنطبق عليها أحكام الاتفاقية، أو يتوقف وينتهي سريانها عليها. وحصرت أسباب ومبررات هذه الفرضيات، وحدّدت أيضا بعض الفئات من الأشخاص الذين تم استبعادهم واستثناؤهم من نطاق تطبيق الاتفاقية وحرمانهم بالتالي من حق التمتع بالحماية التي توفرها. كما أن الدول المتعاقدة تتعهد بمقتضى هذه الاتفاقية بالوفاء بعدد من الالتزامات في معاملتها للاجئين الذين يوجدون في الأقاليم الخاضعة لولايتها، تتمثل أساسا في توفير الحماية لهم من التعرض للاضطهاد لسبب من الأسباب التي حددتها الاتفاقية على سبيل الحصر، ومنحهم مجموعة من الضمانات، أهمها الامتناع عن فرض عقوبات جنائية على اللاجئين بسبب دخولهم أو وجودهم غير القانوني في الإقليم، وإخضاع استثناء اللاجئين من المتابعة بسبب هذا الدخول والوجود في الإقليم لعدد من القيود والشروط التي ينبغي عليهم احترامها ( المادة 31) . وتنص الاتفاقية أيضا على امتناع الدول الأطراف عن طرد اللاجئين أو إبعادهم أو إعادتهم القسرية نحو حدود الأقاليم التي تكون حياتهم أو حريتهم مهددتين فيها بسبب عرقهم أو دينهم أو جنسيتهم أو انتمائهم إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائهم السياسية.
والجدير بالتذكير، أن المبدأ الذي تتأسس عليه اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، والذي أصبح بعد اعتمادها غداة الحرب العالمية الثانية يكتسي طابعا اتفاقيا ومعياريا عالميا، هو المؤسسة العريقة للجوء التي تمتح منابعها وأصولها من المعتقدات القديمة، وتستمد جذورها العميقة من الأديان التوحيدية والقيم الإنسانية والأعراف والممارسات الضاربة في القدم التي ساهمت في ترسيخها والحفاظ عليها وتوارثها عبر الحقب الطويلة والمتعاقبة مختلف الحضارات التي عرفتها البشرية.
ومن المتفق عليه فقها، أن اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين (اتفاقية اللاجئين) تجسّد الإطار المرجعي المعياري العالمي في حدّه الأدنى، الذي توافق عليه المجتمع الدولي لتدوين وتكريس قواعد حماية اللاجئين، وللاستجابة لضرورة عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق بعض الأقليات العرقية والدينية في أوروبا، والاضطهاد والنفي والتشريد والنزوح القسري وفظاعات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تعرض لها ملايين الأشخاص في سياق الحرب العالمية الثانية بفعل سياسة وممارسات النظام النازي وحلفائه.
فقد رأت اتفاقية اللاجئين النور في ظل الأوضاع التي خيّمت على القارة الأوروبية اثناء الحرب والسعي الى احتواء تداعياتها الإنسانية، ثم ما لبثت الدول الأوروبية أن واجهت تحديات استقبال وتوفير الحماية والمساعدة الإنسانية لأعداد متزايدة من اللاجئين الوافدين والهاربين من الاضطهاد والقمع الذي فرضه النظام السوفياتي في بلدان شرق أوروبا التي كانت خاضعة لمنطقة نفوذه وهيمنته خلال مرحلة الحرب الباردة.
إن العودة الى التطرق في هذا المقال لموضوع الحماية الدولية للاجئين – الذي كان محورا رئيسيا ضمن أبحاثي الأكاديمية طيلة سنوات ماضية - يعزى في الواقع الى حدثين مهمين تابعت وقائعهما في المدة الأخيرة. يتمثل الأول منهما في انعقاد الدورة السادسة والسبعين (76) للجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ما بين 6 و10 أكتوبر 2025، التي تركزت أشغالها على التحديات الراهنة للحماية الدولية للاجئين وأزمة تمويل برامج المفوضية واستراتيجيات الاستجابة المستدامة للتنقلات البشرية الواسعة النطاق التي يعرفها العالم.
والحدث الثاني هو انعقاد المنتدى العالمي حول اللاجئين في جنيف ما بين 15 و17 دجنبر 2025، والخلاصات التي توصل اليها المشاركون فيه بشأن تقييم أوضاع اللاجئين في العالم، ومدى التقدم المحرز في تحقيق أهداف وإعمال الالتزامات التي حددها الميثاق العالمي للاجئين (2018) والتحديات الكبيرة التي يطرحها تقليص المساعدات الدولية المخصصة لملايين الأشخاص النازحين قسرا واللاجئين.
والحقيقة، أن ما دفعني أكثر الى تخصيص هذا المقال للوضع الراهن للحماية الدولية للاجئين هي الانعكاسات الخطيرة والمحتملة لما يسمى "نظرية" " أمريكا أولا" التي يتبناها الرئيس الأمريكي "ترامب" وإدارته الجمهورية، لا سيما آثار وتبعات هذه الفكرة على استمرار وصمود النظام الدولي لحماية اللاجئين برمته، ونظام التفاوض والتعاون متعدد الأطراف في إطار الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة حول أوضاع اللاجئين وحمايتهم والبحث عن حلول لمشاكلهم ، و خطر تقويض حق اللجوء وتدمير مرتكزاته، وفرض شروط تعجيزية و قيود قاسية و غير واقعية من شأنها التضييق الشديد على طالبي اللجوء واللاجئين في الولايات المتحدة الأمريكية.
فارتكاز فكرة " أمريكا أولا" على أولوية المصالح الوطنية الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة ، وحذرها المفرط تجاه الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف ، ومراهنتها على تقليص مجالات وحجم ونطاق و آثار الالتزامات الدولية للولايات المتحدة ،وتصميم المؤيدين لها على تشديد الرقابة على حركية الهجرة ودخول الأجانب الى الأراضي الامريكية ، لا يمكن الا أن يهدّد بإضعاف بل بتفكيك المنظومة الدولية لحماية اللاجئين التي أرسى قواعدها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ،وطورت ممارستها طوال عقود من الزمن الدول الأطراف في اتفاقية اللاجئين و مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين .
إن حدة اللغة المعادية للمهاجرين واللاجئين وللأجانب عموما، التي يستعملها الرئيس "ترامب" في خطاباته أصبح أمرا مألوفا، وتلويحه بعزمه على الطرد الجماعي للمهاجرين غير النظاميين وتضييق منافذ الدخول الى الأقاليم الأمريكية بات لازمة في تدويناته وتصريحاته.
فقد صرح منذ 2017 بخصوص اللاجئين، " أنا لا أحب استقبال هؤلاء الناس .... إنني أؤكد لكم انهم سيئون ". إن هذا التصريح يعكس بلا شك مدى احتقار الرئيس "ترامب" لما يفوق 42 مليون شخصا في العالم الذين أجبروا على مغادرة بلدانهم بحثا عن الأمن والحماية في بلدان أخرى، بسبب النزاعات المسلحة التي تهدد حياتهم، أو الانتهاكات الخطيرة لحقوقهم الأساسية أو الاضطهاد الذي يتعرضون له بسبب انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الوطنية أو بسبب انتمائهم لفئة اجتماعية معينة أو آرائهم السياسية.
وعاد " ترامب" خلال ولايته الرئاسية الثانية لتكرار تصريحاته المعادية للاجئين، حيث أعلن مباشرة بعد واقعة مقتل أحد عناصر الحرس الوطني على يد شخص من أصل أفغاني، (أعلن) أنه " سيقرر التوقيف النهائي للهجرة الوافدة من جميع بلدان العالم الثالث" مشدّدا على أن "... عبئ اللاجئين هو السبب الرئيسي في المعضلات الاجتماعية التي تتحملها وتعاني منها أمريكا....". ومنذ ولايته الرئاسية الثانية، جسّد الرئيس " ترامب" نظرته السلبية ونفوره العلني وكراهيته للاجئين في سياسة وممارسة حكومية صارمة ومتشددة تجاههم. وهكذا عمد في يناير من سنة 2025 إلى إقرار المنع لمدة غير محدودة لاستقبال اللاجئين في الولايات المتحدة، وألغى العمل بنظام "الحماية المؤقتة" التي كانت تمنحها الإدارة الأمريكية لمواطني بعض البلدان التي تعيش حالة عدم الاستقرار والعنف السياسي مثل أفغانستان وهايتي وميانمار والصومال وسوريا. وبالموازاة مع هذه القرارات والتدابير التي استهدفت أعدادا كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء الذين ينحدرون من بلدان تصنفهم مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في مقدمة الدول التي يحتاج مواطنوها للحماية الدولية، قامت الإدارة الأمريكية بنشر قوات الجيش على جزء كبير من الحدود مع دولة المكسيك من أجل إبعاد جميع طالبي اللجوء والمهاجرين الآخرين ومنعهم من محاولة عبور الحدود والدخول الى الولايات المتحدة الأمريكية.
وهكذا، يلاحظ أن الرئيس "ترامب" قد أكد طيلة الشهور الأخيرة - من خلال فرض وتنفيذ إدارته الجمهورية للعديد من التدابير التقييدية على دخول اللاجئين وإقامتهم في الولايات المتحدة - إرادته الثابتة في تفكيك النظام الدولي للجوء الذي يعتبر في نظره نظاما متقادما، عفا عليه الزمن ويتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية، فضلا عن كونه يمنح سلطات واسعة ومبالغ فيها لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تم إنشاؤها في نفس السنة التي اعتمدت فيها اتفاقية اللاجئين (1951).
وقد استغل الرئيس "ترامب" خطابه الطويل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 23 سبتمبر 2025 الذي أثار انتقادات قوية وردود فعل سلبية بسبب إطنابه ونبرته المتعالية، لعرض رؤيته لسيادة الدول والهجرة والتدبير الأمني للحدود وحماية اللاجئين، وهي الرؤية التي يسعى مع إدارته الجمهورية لتسويقها وتصديرها إلى بقية دول العالم. وكان خطابه بخصوص سيادة الدول والهجرة مشحونا بالتهويل والتخويف، والغلو في تأويل بعض الإكراهات والتحديات التي تطرحها ظاهرة تنقل الأشخاص عبر الحدود. ولم يتردد في وصف المهاجرين وطالبي اللجوء كغزاة ومجرمين، وفي تضخيم تهديداتهم للمجتمعات الغربية، واصفًا إياهم بأنهم "أناس لم ترَهم من قبل، لهم عادات وأديان مختلفة، مختلفون في كل شيء." وأنذر قادة العالم بالقول" إن بلدانكم تتجه إلى الجحيم"، مهددا بالمصير السيء الذي ينتظر من يصلون إلى الحدود الأمريكية: "إما أن تذهبوا إلى السجن أو تعودوا من حيث أتيتم، أو ربما أبعد من ذلك" – في المعتقلات الرهيبة وسيئة السمعة في دولة السلفادور وجزيرة "غوانتامو".
وتتأكد أيضا هذه المقاربة الأمنية الأمريكية المناهضة للاجئين في تصريح أخير أدلى به " كريستوفر لاندو" نائب كاتب الدولة الأمريكي في الشؤون الخارجية- الذي ينتمي لعائلة نمساوية يهودية ولجأ والده الى الولايات المتحدة هربا من التطهير العرقي إبان النظام النازي - واعتبر فيه" أن نظام اللجوء أصبح ثغرة كبيرة في التشريعات الأمريكية للهجرة "، مضيفا أن "إعادة النظر في اتفاقية جنيف لسنة 1951 يجب أن تصبح أولوية دولية قصوى ".
وبادر هذا المسؤول الأمريكي في 25 شتنبر 2025 إلى تنظيم لقاء رفيع المستوى على هامش اجتماعات دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، خصصت أشغاله بشكل رئيسي ومباشر للترافع عن" ضرورة التفكير في نظام جديد للجوء للقرن الواحد والعشرين: الأسباب والحلول"، وإقناع المشاركين الممثلين لحكومات الدول بوجاهة الحجج والمبررات التي تدعم ضرورة المراجعة الشاملة لنظام اللجوء على الصعيد العالمي.
وقدّم " كريستوفر لاندو" خلال هذا اللقاء عرضا أشبه ما يكون ببيان تحذيري ، يتضمن مجموعة من «المبادئ" التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى "التوصل لتوافق" حولها، معتمدا على وقائع معزولة و مقتطعة من سياقها وإحصاءات تفتقد الى الدقة، بدت وكأنها معطيات متناثرة وغير متجانسة موجهة للصحفيين والعموم في عملية تواصلية ، أكثر من كونها تصورا منسجما أو مقاربة متناسقة العناصر ومشفوعة بمعطيات موثوقة ومقترحات منطقية، موجهة لممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والأطراف المتعاقدة في المنظومة الدولية لحماية اللاجئين.
ويمكن إجمال مضمون هذا العرض في اعتبار الإدارة الأمريكية أن مراجعة النظام الدولي للجوء تستلزم من الأمم المتحدة ودولها الأعضاء "عدم الاعتراف للأشخاص بحق طلب اللجوء في الدولة التي يريدونها حسب اختيارهم" وأن يصبح طالب اللجوء مجبرا على "تقديم طلب الحماية في أول دولة يدخل الى إقليمها "، وبكون الاعتراف بصفة اللاجئ لأي شخص لا يمنحه سوى "وضعا مؤقتا وليس دائما ". كما أن الدول التي تمارس" السيادة على أقاليمها هي من تقدّر وتقرر وحدها – وليس المنظمات الدولية- متى تكون عودة اللاجئين الى بلدانهم أمنة" ولا تهدد حياتهم وحرياتهم. وعلاوة على ذلك، ينبغي للدول الأصلية للاجئين أن توافق على" العودة السريعة لمواطنيها إلى بلدانهم، في الحالات التي تعتبر دول اللجوء أن حاجة هؤلاء الأشخاص الى الحماية الدولية لم تبق واجبة ولا مبرّرة"، أو أن طلباتهم للحصول على صفة اللاجئ قد تم البت فيها بالرفض من قبل السلطات الوطنية المختصة. وفي آخر المطاف،" لكل دولة الحق المطلق للتحكم في حدودها وتقرير من تسمح له بالدخول الى أقاليمها ومن تمنعه من الدخول اليها أو البقاء فيها".
إن ما يبعث على الاستغراب حقا، هو أن هذه المبادئ التي تسعى إدارة "ترامب" إلى إقناع الدول بكونها سوف تمثل أسسا جديدة وسبلا ناجعة لإصلاح ومراجعة النظام الدولي لحماية اللاجئين، ليست في جوهرها جديدة مطلقا. ولا تعتبر اكتشافا فريدا أو غير مسبوق للرئيس "ترامب "، فهي في معظمها مبادئ معروفة ومستقرة في القانون الدولي للاجئين والممارسة الدولية المتواترة في حماية اللاجئين.
فعلى النقيض مما يزعم نائب كاتب الدولة الأمريكي، إن وضع اللاجئ يعتبر مؤقتا بطبيعته وليس دائما، لأن الاعتراف بصفة اللاجئ والحماية التي يمنحها والضمانات المترتبة عنها، مرتبط باستمرار الأوضاع والأسباب الموضوعية والواقعية التي بررت الاعتراف بوضع اللاجئ. ويحق للدولة المانحة للجوء، وفقا للشروط والفرضيات المحددة في الاتفاقية إنهاء منحها للجوء وانقضاء سريانه وإيقافه. أضف إلى هذا الأمر، أن اتفاقية جنيف للاجئين لا تخول لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولا لأي منظمة دولية أخرى، سلطة تحديد عدد أو مواصفات اللاجئين الذين يجب الاعتراف لهم بوضع اللاجئ في الدولة، ويعتبر هذا الاختصاص من مجال السلطة الوطنية الأصيلة للدول. كما أن الاتفاقية لا تنظم مسطرة وإجراءات الاعتراف بصفة اللاجئ ، ولا تحدد الطبيعة القضائية أو الإدارية للسلطات الوطنية المختصة لتلقي طلبات الاعتراف بصفة اللاجئ ومعالجتها والبت فيه ولا سبل الطعن المتاحة، حيث أن الاتفاقية تركت للدول الأطراف حرية اعتماد نظامها الوطني للجوء وإحداث وتنظيم آلياته الداخلية مع مراعاة الالتزامات الدولية الأساسية التي تنص عليها بنود الاتفاقية. وفضلا عن ذلك، إن احترام مبدأ عدم الإبعاد – Non-refoulementالذي يعتبر ضمانة أساسية لحماية طالب اللجوء واللاجئ من الإعادة القسرية نحو الدول التي يخشى فيها على حياته وحريته، لا يمنع أية دولة طرف في اتفاقية جنيف أو الولايات المتحدة التي ليست طرفا فيها ، وصادقت فقط على بروتوكول نيويورك لسنة 1967الخاص بوضع اللاجئين ،من فحص ومعالجة طلب أي شخص للحصول على اللجوء والبت فيه بالقبول أو الرفض ، وإلزام طالب اللجوء الذي رفضت سلطات الدولة منحه الحماية في إقليمها لدواع معقولة بمغادرة هذا الإقليم ، مع مراعاة بعض الشروط والضمانات التي نصت عليها المادة 33 من الاتفاقية . كما أن اتفاقية اللاجئين، وعلى خلاف ما تدعيه الإدارة الجمهورية في الولايات المتحدة، لا تمنح طالبي اللجوء حرية كاملة في اختيار البلد الذي " يرغبون " في اللجوء إليه.
ورغم التحفظات ودواعي القلق الكثيرة التي يثيرها التصور الأمريكي بخصوص منطلقات الإصلاح العميق والشامل للنظام الدولي لحماية اللاجئين ا لذي تقترحه الإدارة الجمهورية الحالية والمبادئ التي يتأسس عليها، فلا مناص من الاعتراف أن هذا النظام، وإعمال قواعده من طرف الدول المتعاقدة تعتريه اختلالات واعطاب عديدة، ولم يعد يوفر الاستجابة المطلوبة لتأمين الحماية للاجئين في العالم الذين تزايدت أعدادهم بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة. فقد أصبحت العديد من دول العالم بؤرا للتوترات والاضطرابات السياسية والأمنية الداخلية العنيفة وللنزاعات المسلحة المزمنة. وإذا كانت بعض مناطق النزاع تحظى بتغطية إعلامية واسعة، فإن بعضها الأخر يطاله الإهمال والنسيان، رغم حدة وحجم وخطورة الانتهاكات التي يتعرض لها سكانها المدنيون، والأزمات الإنسانية التي يعانون من تبعاتها وآثارها التي تجبرهم على الهروب بحثا عن الأمان والحماية في بلدان أخرى.
وفي هذا السياق الدولي المشحون بعوامل ومسببات النزوح القسري وتزايد أعداد اللاجئين وتفاقم أوضاعهم الإنسانية، باتت دول العالم لا تخفي قلقها من الكلفة المرتفعة والإكراهات والتأثيرات الناتجة عن حجم ووتيرة التنقلات البشرية الجماعية، وضغط تدفقات وحركات الهجرة المختلطة، لاسيما على أمنها الوطني واستقرارها الاجتماعي. ولمواجهة هذا الوضع، اعتمدت الكثير من الدول مقاربات أمنية من خلال اتخاذ تدابير متشددة لعرقلة أو ثني وصول لاجئين جدد إلى أقاليمها والدخول اليها، ودفع اللاجئين الموجودين في أقاليمها الى مغادرتها. وعوض ان تحترم العديد من الحكومات الالتزامات الاتفاقية الدولية التي تعهدت بها تجاه اللاجئين، اتجهت نحو استغلال بعض الثغرات والفراغات في نص اتفاقية جنيف وتأويل متعسّف لبعض صياغاتها من أجل اعتماد تشريعات وطنية تقيّد الضمانات المعترف بها للاجئين.
وهكذا، أضحت اتفاقية جنيف للاجئين تحت ضغط قوي بفعل التحول العميق لواقع حركات اللاجئين في العالم والتزايد المطرد في أعدادهم، وتحول بعض فئات اللاجئين إلى حالات "لجوء ممتد في الزمن" أو لحالات من اللجوء الطويل الأمد بسبب إخفاق المجتمع الدولي في العمل على إيجاد حلول دائمة لأوضاعهم والتوافق على أسس تضامن فعلي ومتوازن لتقاسم مسؤوليات وأعباء حماية اللاجئين.
وفي ظل هذه الظروف، كان بإمكان الرئاسة الحالية للولايات المتحدة أن تشجع مفوضية الأمم المتحدة للاجئين ودولا أخرى على إطلاق حوار متعدد الأطراف وعلى مستوى رفيع لممثلي الحكومات حول نظام الحماية الدولية للاجئين، من أجل التداول بشأن المبادئ التي طرحتها الإدارة الأمريكية لمراجعة هذا النظام وتبادل الرأي حول العناصر التي ترفضها الولايات المتحدة وتسعى إلى تعديلها ومراجعتها.
بيد أن الرئاسة الأمريكية رجحت مقاربة أخرى، تجسدت في شن هجوم أحادي ضد اتفاقية جنيف للاجئين التي يبلغ عدد دولها الأطراف 149 دولة عبر مختلف مناطق العالم، والتي مكنت في الحالات التي تم الالتزام بأحكامها وإعمالها من لدن الدول الأطراف على النحو السليم من إنقاذ حياة الملايين من الأشخاص، ووفرت أساسا قانونيا دوليا للتعاون المتعدد الأطراف والتضامن في اقتسام "مسؤولية " حماية اللاجئين.
ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن خلفيات ومضمون والغايات من مبادرة الرئيس "ترامب" المتعلقة بمراجعة نظام حماية اللاجئين، تعكس في عمقها مدى احتقاره للاجئين وعدم اكتراثه بأوضاعهم ولا بمصيرهم، وتكشف بجلاء استعلاءه على أعضاء منظمة الأمم المتحدة ونفوره منها وعزوفه الصريح عن نهج التعاون المتعدد الأطراف في إطارها، كما تؤكد إرادته واقتناعه بفرض سياسة القوة والأمر الواقع وإجبار الدول الأخرى على الانصياع لإرادته.
فهل ستنجح الولايات المتحدة في تحقيق مشروعها الذي يهدف إلى نسف وتقويض ما تبقى من نظام الحماية الدولية للاجئين، واستبدال الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين؟
من المؤكد أن عدة دول أوروبية أخرى تنتابها نفس هواجس إدارة "ترامب" بشأن ضرورة مراجعة " نظام اللجوء" ولا تخفي انزعاجها مما تصفه بالتجاوزات و الانحرافات في استعمال مؤسسة اللجوء وآلياتها كوسيلة للهجرة غير النظامية ، بيد أن المؤشرات المتوفرة تدفع الى الاعتقاد بأن هذه الدول تفضل نهجا براغماتيا يقوم على الحفاظ -من حيث المبدأ على الأقل - على اتفاقية جنيف للاجئين لسنة 1951 وتجاهلها في الممارسة ، وعدم الالتزام بروحها عندما تعتبر ذلك ملائما وفقا لاعتباراتها الداخلية أو الإقليمية ولما تمليه حماية مصالحها.
أما الدول الأخرى المنتمية لما يوصف ب " الجنوب الشامل" والتي تستقبل حاليا حوالي 75% من اللاجئين في العالم، فإنها لم تفصح بعد عن مواقفها من مقترحات الرئيس "ترامب". غير أنها أمام استعمال الولايات المتحدة وبعض حلفائها من كبار المانحين لوسيلة الضغط المالي، من خلال تقليصها المهم لمساعداتها المالية وإلغاء مساهماتها في تمويل برامج بعض الوكالات الإنسانية - مما أدى الى الإرباك الشديد لميزانية الأمم المتحدة و التخفيض الكبير لمواردها ،و التأثير السلبي على استمرار تنفيذ العديد من عمليات المساعدة الإنسانية للاجئين عبر العالم – من المحتمل جدا أن يضاعف مخاوف وقلق هذه الدول من المقاربة التقييدية و التدابير الحازمة التي ستفرضها الولايات المتحدة في مجال حماية اللاجئين، وما قد يترتب عنها من تزايد نسبة اللاجئين الذين سيتم " احتجازهم " من حيث الواقع في أقاليم البلدان الأكثر فقرا في العالم ويضاعف الضغط على هذه الدول .
وأخذا بالاعتبار هذه الاحتمالات، هل يمكن "التكهن" بما سيكون عليه موقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من مشروع الرئيس "ترامب" الرامي الى إجراء مراجعة جوهرية لأسس وقواعد الحماية الدولية للاجئين؟ لا سيما في مرحلة دقيقة وفاصلة سيتولى فيها "برهم صالح" الرئيس العراقي السابق مسؤولية المفوض السامي ابتداء من يناير 2026 خلفا للإيطالي " فيليبو غراندي".
يجدر التذكير أن هذه الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة توجد منذ عدة سنوات خلت في وضعية مالية صعبة وهشّة، بسبب اعتمادها في نسبة مهمة من مواردها على التمويل والمساهمات الأمريكية التي تمثل حوالي 40% من ميزانية هذه الوكالة. كما أن المفوض السامي الجديد الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة سوف يكون مضطرا للحفاظ على نهج مطبوع بقدر كبير من " الليونة" مع مواقف الولايات المتحدة بسبب هذه التبعية المالية وضرورة كسب الدعم الأمريكي.
ولكنه بالرغم من أعراض حالة الضعف التي اعترت مفوضية اللاجئين منذ إنشائها والتي تزايدت حدتها وعواملها مع مرور الزمن، وأصبحت تقلص من مساحة " استقلال" المفوض السامي للاجئين بشكل ملحوظ، فإن النظام الأساسي المعتمد بموجب قرار الجمعية العامة في 14 دجنبر 1950 يخوله وظيفة" توفير الحماية الدولية للاجئين " و " التماس حلول دائمة لمشاكلهم". كما ينص على أن عمل المفوض السامي " ليست له أي طبيعة سياسية على الإطلاق" وبأن عمله " إنساني واجتماعي"، ويتبع "التوجيهات السياسية الصادرة له من الجمعية العامة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي".
وما ينبغي التنبيه إليه أيضا في هذا الصدد، هو اعتبار المفوض السامي بمثابة " الحارس الساهر" على تنفيذ الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين على النحو المطلوب والإشراف على تطبيقها واقتراح التعديلات بشأنها"(المادة 8، أ، ب، ج، من النظام الأساسي). وبالتالي فهو من يتحمل المسؤولية القانونية عن ضمان تنفيذ اتفاقية جنيف للاجئين واحترام المبادئ الأساسية لحماية اللاجئين. ويحظى المفوض السامي في أداء مهامه ووظائفه بدعم متفاوت من قبل العديد من الدول، ومن شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية ومن المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات الدفاع عن اللاجئين. وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي ما فتئت توجه للمفوضية السامية للاجئين، لا بد من الإقرار أنها قد حافظت، بعد مضي عقود على إنشائها وبفضل تطويرها ومراكمتها لممارسة وتجربة طويلة في حماية اللاجئين، وتدبير الازمات الإنسانية الحادة في عدة مناطق من العالم، على مشروعية دبلوماسية وسلطة معنوية وخبرة قانونية كبيرة في مجال اللاجئين لا يمكن الاستغناء عنها.
ومما لا شك فيه، أن المفوض السامي الجديد سيسعى للحفاظ على علاقات جيدة مع إدارة الرئيس "ترامب" وتفادي أسباب التوتر أو الجفاء معها، كما أنه سوف يعمل على توضيح نقاط الخلاف التي تثير اعتراض الولايات المتحدة وكانت موضوع إطلاق دعوتها ومبادرتها لمراجعة جوهرية لاتفاقية جنيف لسنة 1951. ومن المنتظر بل من اللازم أيضا، أن يفتح حوارا بناء مع بقية الدول الأطراف في اتفاقية جنيف للتذكير بنقط القوة في اتفاقية اللاجئين والنقاشات الطويلة والمعمقة التي كانت ضرورية للتوصل الى توافق عالمي حول المبادئ الكبرى لحماية اللاجئين.
وثمة حقيقة لا يمكن حجبها وإنكارها أو التغاضي عنها في سياق أي حوار حول مراجعة نظام حماية اللاجئين، تتمثل في أن المشاكل العويصة التي تعيق الحماية الدولية للاجئين، لا تكمن في جوانب القصور والثغرات التي تعتري اتفاقية جنيف للاجئين لسنة 1951 – كما هو الشأن بالنسبة لاتفاقيات دولية أخرى في مجال حماية حقوق الإنسان - بقدر ما تعزى إلى الإخفاق الجماعي في إعمال وتنفيذ مقتضياتها على النحو السليم وإلى غياب الإرادة السياسية في الالتزام الكامل وبحسن نية بأحكامها.
يمكن الخلوص مما تقدم، أن هناك فعلا من بين الدول الأطراف في اتفاقية جنيف للاجئين من يعتبر أن هذه الاتفاقية قد تجاوزها الزمن، وأن الضرورة تقتضي استبدالها بإطار اتفاقي جديد أو إجراء مراجعة عميقة لمقتضياتها. وأوضحنا أن الإدارة الأمريكية الحالية قد حددت " مبادئها الجديدة" لما تراه إصلاحا لنظام اللجوء، الذي يرتكز أساسا على إلزام طالبي اللجوء بتقديم طلباتهم في البلد الأول الذي يدخلون الى إقليمه، وإقرار الطابع المؤقت والمحدود في الزمن للجوء، وتوسيع سلطات دولة الإقليم في طرد وإبعاد اللاجئين.
غير أن المفوض السامي السابق للاجئين " فيليبو غراندي" كان قد نبّه مرارا من مغبة المراجعة المتسرعة للنظام الحالي لحماية اللاجئين واعتبر أن " وضع الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين ومبدأ اللجوء على طاولة المفوضات من جديد سيكون خطئا كارثيا".
واعتبر المفوض السابق أيضا، أن بعض النداءات التي ارتفعت مؤخرا للمطالبة بمراجعة اتفاقية جنيف للاجئين، والمقترحات والحلول التي تطرحها، من شأنها إضعاف المبادئ المؤسسة للجوء وتقييد نطاق ومضمون حماية اللاجئين في وقت أصبحت في هذه الحماية ضرورة قصوى.
ومع ذلك، إن الصورة القاتمة لأوضاع اللاجئين في العالم والتحديات الكبيرة التي تطرحها حمايتهم والبحث عن حلول دائمة لأوضاعهم الإنسانية، يستلزم مجهودا كبيرا من التفكير الجماعي الصادق الذي يهدف الى مقاربة الأسباب الحقيقية للأزمة التي أصابت نظام الحماية الدولية للاجئين والحوار الصريح حول سبل معالجته.
محمد العمارتي / أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان (سابقا)، بجامعة محمد الأول – وجدة.

