الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
خارج الحدود

أحصاها أبو وائل الريفي: الضربات الثلاث التي قصمت ظهر الجزائر

أحصاها أبو وائل الريفي: الضربات الثلاث التي قصمت ظهر الجزائر الجنرال السعيد شنقريحة (يمينا) والرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون

يتابع أبو وائل الريفي، بموقع "شوف تيفي"، رصده لمستجدات ما يقع في الجزائر، وكذا الضربات التي تتلقاها من الداخل ومن الخارج، لعل آخرها تصريحات ماكرون، المنسوبة إليه والمنشورة في جريدة لوموند، والتي لم ينفها قصر الإليزيه، حيث قطعت آخر شعرة كان يرغب العسكر الجزائري في الحفاظ عليها تجاه فرنسا.. إذ وصف الرئيس الفرنسي النظام الجزائري بالمعتل والرئيس تبون بالرهينة لهذا النظام.. ضربة فرنسا هاته تلتها ضربتان أخريتان: ضربة الأمم المتحدة وضربة تقرير ڭوتيرس وهو يتحدث عن إنجازات المغرب على الأرض...

 

"الجزائر دقة تابعة دقة وشكون يحد الباس"...

لا تكاد الجزائر تخرج من مشكلة حتى تسقط في أكبر منها، والسبب أن البلاد لا تحكم من طرف رجال دولة ولم تعد تحكمها سياسة ولم تعد قراراتها تخضع لمنطق. شنقريحة ومجايلوه من المشايخ هربوا الحكم للقيادة العامة العسكرية واستفردوا بالقرار وصاروا يفكرون في حماية وضعهم ومصالحهم فقط وتبون ينفذ بدون جدال أو مناقشة.

 

تصريحات ماكرون المنسوبة إليه والمنشورة في لوموند، والتي لم ينفها قصر الإليزيه، قطعت آخر شعرة كان يرغب العسكر في الحفاظ عليها تجاه فرنسا. هل كان خطأ أن تتسرب تلك التصريحات من ماكرون تجاه حكام الجزائر بتلك القسوة وتجاه الجزائر بذلك الإمعان في الإذلال؟ هل كان مقصودا نشر تلك التصريحات بالتزامن مع مطالب جزائرية باعتذار فرنسي عن الجرائم الاستعمارية الفرنسية تجاه الجزائر؟ بالتأكيد لا. وهل أخطأ ماكرون وهو يصف النظام الجزائري بالمعتل والرئيس بالرهينة لهذا النظام؟ بالتأكيد لم يخطئ. وبالتأكيد فإن الحسابات الانتخابية ومسايرة منطق المزايدات من طرف ماكرون سيملأ الساحة الانتخابية بمثل هذه الخرجات في الشهور القادمة، وقد اكتشفت النخبة الفرنسية أن الجزائر موضوعا انتخابيا بامتياز حيث شنت مارين لوبن و إيريك زمور بعد ذلك حملة عدائية على الجزائر والجزائريين في فرنسا داعين إلى حرمانهم من التأشيرات ووقف تحويلاتهم البنكية واتخاذ لغة صارمة جدا وأكثر وضوحا ضدهم لأن فرنسا هي من يقرر من يدخل إليها ومن يخرج منها. لا نفتأ نؤكد أن  إدراج هذه الملفات في الحملات الانتخابية مجرد مزايدات مجانية ولعب بالنار تتضرر منها فرنسا قبل غيرها. وهذه حقيقة لا يمنعنا الخلاف مع حكام الجزائر من الجهر بها لأن الأمر يتعدى الحكام إلى الإضرار بشعب وبلد مجاور صرح الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة أن المغرب لن يكون لهما إلا سندا وداعما. “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”. للأسف، فرنسا تصنع عداوات مجانية في أكثر من بقعة تخسر بها رصيدها ومواقعها الاستراتيجية كما يحدث في مالي هذه الأيام وفي غيرها. ولكن ما يحز في النفس هو رد فعل حكام الجزائر. هل استدعاء السفير وغلق الأجواء كافيان تجاه تصريحات ماكرون التي أنكرت وجود أمة جزائرية قبل الدخول الفرنسي؟

 

لنقارن رد فعل حكام الجزائر تجاه تصريحات السفير هلال التي لم يقصد بها نهائيا الدعوة للانفصال ولكنها أتت في معرض سجالي فقط. لماذا كان التصلب الجزائري سيد الموقف؟ لماذا تجاهل تبون والمتحكمون فيه الخطاب الملكي واليد الممدودة وتمادوا في الإجراءات الأحادية؟ هذا مثال فقط يبين أن قرارات الجزائر لم تعد محكومة بمنطق واحد. يستحق الجزائريون دائما، وفي هذه الظرفية بالذات، نظام حكم أفضل يتصرف بالحكمة اللازمة ويفكر بأولوية في مصلحة الجزائريين قبل مصالح الحكام، وهذا ما يعيه الجزائريون الذين صارت شعاراتهم حول الدولة المدنية تحتل صدارة المطالب مقارنة مع المطالب الأخرى الاجتماعية رغم سوء الأوضاع الصحية والاقتصادية والاجتماعية. صار الجزائريون يعون جيدا أن سبب مشاكلهم أساسا هو النظام العسكري.

 

الضربة الثانية أتت هذه المرة من الأمم المتحدة. فرغم المجهودات التواصلية التي بذلها لعمامرة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقناع المنتظم الدولي بصواب قطع العلاقات مع المغرب جاء الرد سريعا من الأمين العام في تقريره لمجلس الأمن يدعو فيه الطرفان إلى تحسين العلاقات بينهما ويبدي قلقه من تدهور العلاقات بينهما وانعكاسها على مسلسل التسوية الأممي لقضية الصحراء. هذا ما كررناه في أكثر من بوح ونحن نقول بأن علاقات مغربية جزائرية جيدة تتجاوز مجرد مصلحة مشتركة للبلدين يلزم أن يكونا أحرص عليها من غيرهما إلى مصلحة إقليمية ودولية لأنها بوابة لتحصين المنطقة من انتشار الإرهاب والجريمة وتجارة الممنوعات والهجرة غير النظامية.

 

الضربة الثالثة تضمنها تقرير ڭوتيرس وهو يتحدث عن إنجازات المغرب على الأرض، وهو يذكر بمشاريع التنمية في المنطقة وحجم الاستثمارات المغربية بها ومشاريع فك العزلة عنها وربطها بمحيطها وتزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وفي مقدمتها طبعا الاعتراف الأمريكي، وافتتاح القنصليات بها بما يعنيه من دلالات سياسية ودبلوماسية. كيف سترد الجزائر والأداة الطيعة لها على هذا التقرير وهو يعترف بأن الجزائر طرف أساسي في هذا الصراع؟ كيف سترد الجزائر عن هذه الإنجازات وهي التي تبقي على أوضاع الصحراويين في مخيماتها في مأساة إنسانية منذ عقود لتستدر بها عطف المنتظم الدولي وتتصرف في المساعدات الدولية بغير ما يخدم الموجهة إليهم أساسا؟

 

لقد شكل هذا التقرير ضربة لكل جهود لعمامرة التي حاول بها ملء فراغ تركه البوليساريو الذي انتهت كل ألاعيبه. هذا من أكبر مكاسب المغرب دبلوماسيا وسياسيا. لقد اعتاد بوليساريو الخارج والداخل الرفع من نشاطهم خلال هذه الآونة تزامنا مع تقديم تقرير الأمين العام لمجلس الأمن، فمرة يناورون بملف حقوق الإنسان، وأخرى يناورون بثروات المنطقة، ومرة ثالثة يناورون بالاتفاقيات مع الاتحاد الأوربي، ومرات يناورون بمنع حقوقيين وصحافيين من دخول المنطقة. انقضت كل الألاعيب ولم يعد في جعبة البوليساريو جديدا، والفضل يرجع لحماة الجدار الذين خبروا كل هذا الدهاء والمكر فصاروا يطوقون مفعوله بطريقة استباقية يعرون به البوليساريو ويورطون الجزائر لتظهر مباشرة في الصورة كطرف أساسي في هذا النزاع المفتعل. لم يستطع لعمامرة بجولاته المكوكية تغطية الفراغ وسيصدر التقرير مؤكدا على أن مبادرة الحكم الذاتي إطار جيد للحل النهائي لملف الصحراء. والكرة في ملعب الجزائر مرة أخرى. هل تريد حلا أم تريد مزيدا من تضييع الوقت وجهود مجلس الأمن. ونصيحة للجزائريين من مشفق على ما آلت إليه أوضاعهم. لعمامرة قديم وأساليبه عتيقة وعمله الدبلوماسي موروث عن عهد الحرب الباردة ويحمل عقيدة عدائية للمغرب تحجبه عن رؤية مصلحة الجزائر. المؤشر الوحيد عنده الذي يقيس به مصلحة الجزائر هي حجم الضرر الذي يلحقه بالمغرب. والمغرب أكبر من أن يصاب بضرر من مثل هذه الدبلوماسية المعطوبة.

 

ستتوالى الضربات تباعا على حكام الجزائر وسيدفع ثمنها الجزائريون من سيادتهم وثرواتهم ومستوى عيشهم وحريتهم, ولن يوجد من “يحد الباس” طالما بقي النظام الجزائري كما هو...

 

(المصدر: موقع "شوف تيفي")