الأربعاء 4 أغسطس 2021
فن وثقافة

بوشعاب:متى كان المحامي منزها من الانتقاد في الأعمال الدرامية والكوميدية.. فهذا نشاز ونرجسية؟!

بوشعاب:متى كان المحامي منزها من الانتقاد في الأعمال  الدرامية والكوميدية.. فهذا نشاز  ونرجسية؟! الناقد الفني عبداتي بوشعاب، وسلسلة «قهوة نص نص»
في هذا الحوار مع الناقد الفني عبداتي بوشعاب، يتحدث عن الرقابة التي يقوم بها بعض الأشخاص، والتي يكون الغرض منها تضييق مجال الإبداع في الأعمال الفنية:
 
 أصدرت محكمة بالرباط مؤخرا حكما قضائيا بخصوص دعوى قضائية رفعها محام مدعيا فيها أن هناك إساءة لمهنة المحاماة في سلسلة «قهوة نص نص»، ما تعليقك على هذا القرار؟
-الدستور هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وجاء ضمن فصله 25 أن «حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة»، حيث ضمن الدستور للمواطن والمواطنة في هذا البلد، مجموعةً من الحقوق المرتبطة بالحرية والتفكير والاختراع.
فعلا لقد استأثر هذا الحكم القضائي باهتمام الصحافة ومنتديات المثقفين والفنانين في المغرب خلال شهر رمضان من سنة 2021. دعوى رفعها أحد المحامين، يطالب فيها بوقف بث سيتكوم (سلسلة فكاهية هزلية) عنوانها قهوة نص نص، تُعرض على شاشة القناة الأولى متحجِّجا بأن السلسلة تسيئ لمهنة المحاماة.
أعتبر أن الحكم جاء منصفا لفريق العمل؛ إذ رفض القاضي هذه الدعوى شكلا ومضمونا، فتحولت القضية التي شغلت الإعلام والفنانين لأيام من نقمة على السلسلة إلى نعمة، وبذلك جلبت النفع أكثر من الضرر.
السلسلة من إخراج «هشام جباري» وإنتاج مشترك لكل من «القناة الأولى ومؤسسة «SPECTOP، وهي من تشخيص الكوميدي «محمد باسو» مع مجموعة من الممثلين.
 هل نحن أمام محاولة تكرار الحالة المصرية في مقاضاة الأعمال الفنية أمام المحاكم؟
بغض النظر عن المستوى الفني المتواضع لهذه السلسلة وقدرتها الضعيفة على إضحاك الجمهور المغربي. إلا أن المطالبة بوقف عرضها يدخل في إطار قمع حريات التعبير والتضييق على الإبداع؛ مهما كان مستوى هذا الإبداع. كما أن وقفها بداعي تقديمها لمهنة المحاماة بشكل لم تستحسِنه هيئة محاماة ما، ليس حلاًّ لرد الاعتبار لمهنة المحامي، فقد يتم وقف العرض على شاشة التلفزيون، ثمّ يتم تسريب الحلقات لتعرض على موقع تويتر أو موقع فيسبوك نظرا لصعوبة تطبيق قانون حماية الملكية الفكرية على ما يُرفع على هذين الموقعين.
إن تاريخ الكوميديا الحديثة لم يترك مهنة إلا وتناولها هزليا، من الفلاح وعامل البناء، إلى الطبيب والمدرس، مرورا بالتاجر والمهندس وإمام المسجد أيضا... تدفعنا المعطيات المتوفرة في هذا الصدد إلى التأكُّد من أنه لا توجد مهنة مقدّسة أو مهنة أفضل من أخرى أو مهنة فوق المعالجة الفنية كيفما كان نوع هذه المعالجة، مادام العمل التمثيلي لا يذكر أسماء وألقاب لأشخاص حقيقيين. وقد يتفق نقاد الفنون التمثيلية في العالم العربي تعميما والمغرب تخصيصا، على أن هناك أزمةً حقيقية تعيشها الكوميديا في المسرح والسينما والتلفزيون. وقد يتفقون أيضا أن هذه الأزمة انعكاس طبيعي لظروف اجتماعية وسياسية ونفسية تؤثّر سلباً في مستوى الإبداع الفكاهي تأليفا ورؤيةً وأداءً.
ظروف ترتبط اجتماعيا وسياسيا بالأحداث التي عرفتها البلدان العربية منذ ما يزيد عن عشر سنوات، كالحروب وما خلّفته من انتشار لظواهر خطيرة كالإرهاب واللجوء والنزوح وغيرها، وتتصل نفسيا بقمع حرية الابتكار والإبداع، مما يضاعف الشعور بالقلق في الحاضر، والشك في عيش مستقبل أفضل.
 معارضو بث هذه السلسلة يعتبرون أن مهنة المحاماة لها مكانة اعتبارية في المجتمع، ولا ينبغي المساس بها هزليا، هل نحن أمام تفاضل في المهن؟
 إن أي متابع لهذه السلسلة (قهوة نص نص) لا يرى أنها تتطفل أو تُنقص من قيمة المحاماة كمهنة شريفة، لها دورها في إقامة دولة العدل والقانون، وتمتيع المواطن بمصالحه والدفاع عنه في حالة ما تعرض للظلم بكل أشكاله؛ هي مهنة الترافع على الحق، والمساهمة في تطبيق العدالة وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه حسب الشريعة والقانون.
لكن أن يرى المحامي أنه أكبر من أن يُنتقد أو أن تكون مهنته مادّة لعمل إبداعي درامي أو كوميدي، فهذا عين الخطأ والنشاز والنرجسية. لاسيّما وأن لكل مهنة شرفاءها من الذين يدافعون عن أخلاقياتها من جهة، ومن لا يرقوْنَ لما هو مظنونٌ فيهم من استقامة والتزام وأهلية لممارسة هذه المهنة من جهة.
 هل يمكن تصور إبداع في أجواء تضييق الحريات؟
 لا إبداع بدون حرية، لأن الحرية تضمن إنتاج إبداع حقيقي يعيش طويلا. قد نختلف -كما أشرنا سابقا- مع صُنّاع هذه السلسلة حول مستواها الكوميدي، لكننا سننتقدهم رغبة منا في أن يطوروا أداءهم كتابة وإخراجا وتمثيلا، ليقدموا في أعمال قادمة أفضل نُسخة من كل واحدٍ منهم؛ كاتب/مُخرج/ممثل. غير أننا إذا طالبنا بوقف عرض السلسلة فإننا نساهم في قمع حرية التعبير وكبت الفكر وتقويض الإبداع.
لسنا متفقين مع الإساءة لأي طرف من أطراف المجتمع؛ سواء مهنة أو مؤسسة مدنيّة أو سياسية. وفي الوقت ذاته نريد كجمهور أن نتابع فنّا راقيا يضع في الحسبان الثوابت التي يتمسك بها المجتمع، ثوابت الاحترام والقيم الإنسانية الأصيلة: التسامح، التضامن، الجمال.. لتكون منبعا لانطلاقة جديدة نحو إبداع هادف. فالإبداع عندما يتأسس على الحرية يكون مقوما رئيسيا من مقومات الحياة، والأمة التي تؤمن بحرية الإبداع أُمّة واعيةٌ بقيمته في بناء مستقبل أبنائها، لأن الحياة بدون إبداع سيطبعها الملل والرتابة، ناهيك عن كبت القدرات والمواهب.