الأحد 27 سبتمبر 2020
فن وثقافة

فن حمادة صدى الصحراء يجمع الكثير من الحساسيات الجمالية

فن حمادة صدى الصحراء يجمع الكثير من الحساسيات الجمالية عبد العالي بلقايد ومشهد من رقصة فن حمادة بمنطقة الرحامنة

يعتبر الترافع عن الموروث الثقافي الشعبي بمنطقة الرحامنة قضية وملفا آنيا لا يتطلب التأجيل، خصوصا لما يتعلق الأمر بلون فني نابع من الأصول وله جذور وامتدادات تاريخية وحضارية وثقافية وإنسانية.

هكذا يتحدث الباحث الأستاذ عبد العالي بلقايد، حينما يغوص في كنه "ذخيرة وذاكرة المغاربة"، ويحول صفحات "العيطة بمختلف أنماطها" على منصات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منبر إعلامي جاد ومسؤول (صفحة العيطة الحوزية/ صفحة الحصبة ولافة/ صفحة محبي العيطة) ويسلط كشافات الضوء على جواهرنا "المنسية" و"المعرضة للانقراض"، والتي تعكس كنوز الوطن الذي راكم الكثير من التنوع على مستوى الفنون الشعبية لتحصين وجوده/ الذات/ الجماعة.

في هذا السياق وارتباطا بثقافة الاعتراف يستحضر الباحث عبد العالي بلقايد بتواضع كبير، رفقة زملائه (الرمحاوي، سهام الرجراجي) خلال كتاباته ونبشه، وترافعه، كل الفعاليات والأسماء التي تجتهد من أجل صون تراث فن حمادة وتحصينه ضد النسيان.

"أنفاس بريس" ارتأت التعاطي مع منسوب كتابات ثلة من أبناء بن جرير (من داخل الوطن وخارجه) لتوثيق ذاكرة مجموعة حمادة الممتدة جذورها وروابطها من الرحامنة إلى القبائل الصحراوية.

 

إن البحث في هذه التيمة ، كانت فيه الكثير من التوضيحات التي توضح التعالق بين حمادة والفن السوسي، وتأثير الموسيقى الإفريقية ليس فقط في فن حمادة بل في موسيقى البيضان التي ميزت الحساسية الموسيقية بصحراء الساحل. وهي التسمية التي يحلو للمعرفة الشعبية إطلاقها على هذه الأقاليم من المملكة المغربية لهيمنة البحر على أرضها، وصحراء القبلة على أراضي الأقاليم الصحراوية التي تتموقع شرقا.

 

لقد أكدنا في الكثير من المنشورات/المقالات على انطلاق هذا الفن من خلفية تسعى لجعل هذا الفن في مدح الرسول، شأن فرع من موسيقى البيضان التي كانت كذلك، وهذه القصيدة، أو السرابة كما يسميها شيوخ حمادة سيرا على نهج شيوخ الملحون الذين نذروا فن الملحون في البدايات لمدح الرسول ، وهم الطبقة الوسطى من الصناع والحرفيين الذين يرتبط أكثرهم بالزوايا، القاعدة الاجتماعية للوطنية فيما بعد. نبسط هذه السياقات لغاية أن نجعل من هذا النص مجددا، نافذة نبرز من خلاله الكثير من مظاهر الحضارة المغربية:

 

معمار الفن الشعبي مدخله الأساسي يتم عبر ذكر الله، أولا ومن بعده الرسول :

 

"إيلا نموتو آه / أيلا نعيشو آه / رآه العمر بيد الله.."

وبعد هذه المقدمة : الصلاة على محمد بصفته نبي، وصفته رسول :

"صلو على النبي آه / لو على النبي آه / أمحمد رسول الله".

 

افتتاح طقس الغناء الشعبي لا يستقيم، إلا بالمرور عبر بوابة المقدس، من خلال إبراز أيقونتين بانيتين لهيكله: وهما الله والرسول. ونلاحظ هذا بالأخص في نصين مؤسسين لمعمار العيطة المغربية وهما خالي يا خويلي، و الشجعان باعتبار التيمة المسيطرة على جغرافية النص هي مواجهة الأخر الغاصب للأرض، وبذلك فمواجهته أي المستعمر واجب شرعي، وفعل تقتضيه الأعراف البانية لثقافة الجماعة. نصنا يتعالق مع هذه الحساسية، بل يجعل من واجبات وجود أدائه هو أن يكون بحضور الطلبة وتلاوة القرآن الكريم.

 

2 ـ كل هذا يؤكد طغيان الاحتفالية على الثقافة المغربية، فحتى الطلبة أثناء ترتيلهم للقرآن، يمر ذلك في فقرات معينة، عبر فرجة أو فراجة الطلبة وهي منتشرة في الكثير من المناطق المغربية، ببو غافر، ودكالة، وبوشان المشهورة بحفظ القرآن وتخصيص موسم له سنوي.(موسم الطلبة)

 

3 ـ الاحتفالية علامة مركزية في الثقافة المغربية ،فهي تطبع حياة الإنسان من الميلاد إلى الموت، فحتى الموت يخصص له المغاربة طقسا احتفاليا، من خلاله يبرزون وقع الموت من خلال الندوب التي تنكتب على الوجوه، وبالشعر المنقوش لنساء يقيمن هذا الطقس لإبراز أثر الموت، يتم تسمية هؤلاء النسوة ب (الندابات).

4 ـ المغربي لا يكتب حضارته بالحروف الهجائية، فلما اكتشف حروف "تفيناغ" هجرها لأنها لا تسع حركته الممتدة بقوة في المجال، ليعبر بأشياء أخرى أكثر قوة ومنها الغناء.

 

5 ـ ارتباط الغناء الشعبي بحركة الزهد والطرقية التي طبعت حياة المغاربة، ومنها هذا النص الذي يتغنى بالجمال باعتباره منحة إلهية، وبأن القبح ليس كذلك . فأي قراءة للتراث الشعبي لا تستقيم إلا عبر وضعه في السياقات المحلية، التي انطبعت بالطابع الزاوياتي، ما جعل حضور المقدس فيه ضروري لتحظى بطابع القبول من طرف الجماعة المنتجة والمتلقية في نفس الوقت.