الثلاثاء 16 يوليو 2024
منبر أنفاس

محمد الدحاني: معركة الأساتذة المتدربين: قنبلة موقوتة

محمد الدحاني: معركة الأساتذة المتدربين: قنبلة موقوتة

لست هنا كي أناقش مضمون المرسومين الذين دفعا بالأساتذة للخروج للاحتجاج في الشارع، ولست هنا  للحديث عن منع الأساتذة والمواطنين من التنقل الى مدينة الرباط، وهذه سابقة في تاريخ المغرب و خرق سافر للفصل 24 من الدستور، الذي ينص على حرية التنقل والاستقرار داخل الوطن، لست هنا للتنديد بالعنف الذي تعرض له الأساتذة المتدربون  في العديد من مراكز التكوين: القنيطرة، وجدة، طنجة، انزكان...لأن أي إنسان يملك ذرة من الإنسانية سيندد ويستنكر هذه المعاملة البائسة في حق أي انسان كيف ما كانت صفته ومطالبه، فكيف بالذي كاد أن يكون رسولا؟ ولست هنا  كي أقول أن هذين المرسمين لا يعنوا هذا الفوج من الأساتذة المتدربين، فلقد حسم  في ذلك المتخصصون في القانون، ولست هنا لأسأل هل الأساتذة المتدربون يطالبون بإسقاط المرسومين عن فوجهم فقط تحت غطاء القانون أم يطلبون بالإسقاط النهائي لهذين المرسومين، بشكل مبدئي ودفاعا عن مجانية التعليم وعلى المدرسة العمومية وعلى الحق في الوظيفة العمومية؟.

كما لست هنا لكي أناقش تعنث الحكومة في الاستجابة لمطالب الأساتذة المتدربين، ولست هنا لكي أعلق على قسم رئيس الحكومة/عبد الاله بنكيران؛ والذي أكد عدم تراجعه ولو على حساب اسقاط حكومته، ولست هنا لأناقش رئاسة الحكومة ولا وزارة العدل ولا وزارة الداخلية، والذين اتفقوا على أنهم ليس لهم خبر ولا أعطوا الأوامر بتعنيف الأساتذة المتدربين، ولم يجدوا شيئا يبررون  به إلا أنهم قالوا فقط بعض التدخلات الطفيفة والمتسرعة من بعض رجال الأمن، وكأن  رجال الأمن لا عقل ولا مسؤولية لهم عما  فعلوه. وأيضا لست هنا كي أقدم الحصيلة العامة لمعركة الأساتذة المتدربين، ولست هنا لتقييمها، فهم أدرى بها. ولست هنا لكي أتحدث عن التعتيم الاعلامي الذي نهجته  القنوات التلفزيونية الرسمية على معركة الأساتذة، والتي دفعت لجنة التواصل والاعلام للبحث عن قنوات أجنبية لتغطية الحدث التاريخي/المسيرة الثالثة.

         أنا هنا كي أقدم قراءة تنبؤية للمعركة البطولية، أو المعركة التاريخية كما أصبحت تسمى بعد مسيرة 24 يناير والتي شاركت فيها ودعمتها ورفعت الشعارات الى جانب الأساتذة كطالب أوطمي، ولست هنا أتبجح بحضوري بل أقر بمسؤوليتي فالنضال مسؤولية وأخلاق ومبادئ وكل من انحطت أخلاقه واستسلم للملذات، فلا يحق له أن يكون مناضلا حسب تعبير عمر بنجلون. وهذه القراءة استباقية لما قد تؤول اليه الأوضاع إذا استمرت الحكومة  بشكل خاص والنظام المغربي بشكل عام في نهج سياسة الآذان الصماء لمطالب الأساتذة المعروفة والمشروعة، وأقدم هذه القراءة المتواضعة بتحليل متواضع وفق فهمي مستعينا بدروس التاريخ، غير آبه بما قد يقال عني , لقد تضخم عندي الأنا السوسيولوجي، علما أني لا أدعي هنا التحليل السوسيولوجي ولا الخطاب السوسيولوجي بل أنا فقط طالب سوسيولوجي أعطي رأيي في هذه المعركة وأفقها، فليقولوا عني مجنون أو منجم...، لأني واعي بما أقول وهذه شهادتي أمام التاريخ، لأني أعلم أن التاريخ لا يرحم، وأي شخصية معنوية أو فردية لم تنخرط في هذه المعركة أتهمها بالخيانة، وأحذرها فإن كان التاريخ نقل لنا أفعال الخونة حبرا على ورق، فلنكن  على بال؛ نحن في زمن التكنولوجية والعولمة والتاريخ سينقل خيانتنا للأجيال القادمة بالصوت والصورة، ويا للعار والمهانة والفضيحة آنذاك.

فلنتدارك أنفسنا إذن؟.

          من الواضح، أن المؤشرات الكمية لعدد المتضامنين والمنخرطين في المعركة التاريخية يزداد بشكل كبير جدا، والدليل ما شهدته المسيرة الثالثة والتي قدر عددها ب 40 ألف مواطن ومواطنة نزلوا مع الأساتذة الى العاصمة رغم كل المضايقات التي تعرضوا لها في المحطات الطرقية. في الأول كان الأساتذة يحتجون وحدهم، بعد ذلك الأساتذة وعائلاتهم، بعدها الأساتذة وعائلاتهم وكل القوى الحية داخل المجتمع المغربي، ابتداءا من الهيئات النقابية والحقوقية والسياسية والجمعوية والحركات الشبابية والحركات التلاميذية  بالإضافة الى المثقفين والفنانين والباعة المتجولين وكل هذا الزخم البشري تجسد في مسيرة 24 يناير بالرباط والتي انطلقت من باب الحد على ساعة 10 صباحا واتجهت نحو البرلمان.

     نحذر من المقاربة الأمنية التي تواجه بها الحركات الاحتجاجية  في وطننا، هذه المقاربة التاريخ أثبت عجزها وتجاوزها، بل قد تكون رصاصة للنظام ذاته، ولنا في التاريخ دروس وعبر علينا أن نستفيد منها وأخيرها ما وقع في الربيع العربي، بحيث أن صفعة طائشة من شرطية متهورة لبائع متجول أحرقت نظاما بكامله وهجرت حاكمه في الليل خلسة كاللص تماما  ومرغت وجهه  في التراب، وذهب يختبئ في كهوف أسياده، بعدما عجز أن يحفظ مكانته كسيد قومه،  ومن ثمة انتشرت نيرانها فأحرقت البقية الباقية   من الدكتاتوريات العربية، وقلبت أنظمتها الاجتماعية رأسا عن عقب، ولازالت نيران هذه الصفعة مشتعلة الى الآن، في العديدة من الدول منها سوريا نموذجا، وفي أحسن الأحوال مشتعلة تحت الرماد، وهذا الاشتعال يخول لها الانتشار من جديد إذا توفرت الشروط.

 كما علينا ألا ننسى تعنيف الأستاذة لمياء والأستاذ الخمار وغيرهم بانزكان، والذي  حشد تضامنا كبيرا معهم، وخرجت ساكنة انزكان عن بكرة أبيها تطالب  وزير الداخيلة  بالرحيل.

        فإذا تشبث الأساتذة المتدربون بمطالبهم والمتمثلة في إسقاط المرسومين، فحتما سيكون النصر  من جهتهم، كما انتصر من قبل المعطلون وبعدهم الأطباء، لكن في المقابل كلما تعنتت الحكومة في التراجع عن موقفها واعتمدت سياسة العصا لمن عصى ، فستكون كلفته كبيرة وقد لا تطاق، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها آنذاك، ومن يدري قد تندم ولا تنفعها الندامة حينها. أو بتعبير المرحوم المهدي المنجرة  الذي قال في 2006 أي منذ عقد من الزمن عن تاريخنا هذا "التغير آت لا محالة، لكن كلما تأخر هذا التغيير سندفع الثمن باهضا".

     أفق معركة الأساتذة المتدربين الى حد الآن معروفة وواضحة ويتجلى ذلك في اسقاط المرسومين المشؤومين بلغة الأساتذة المتدربين، لكن ابتداءا من 20 فبراير الجاري والتي ستوافق وقفة احتجاجية بالرباط، التي دعت اليها "الجبهة الوطنية الموحدة ضد البطالة" ولست هنا لأمارس الدعوة ولا الاشهار لهذه الوقفة الاحتجاجية والذي أؤكد حضوري وانخراطي فيها  من الآن، بل جاءت في سياق التحليل لهذه القراءة، باعتبارها حركة احتجاجية لها مطالبها المشروعة والمتجسدة في مايلي:

1} سحب الاصلاح الحكومي المشؤوم لأنظمة التقاعد.

2} إلغاء معاشات الوزراء والبرلمانين وتخفيض أجورهم وتعويضاتهم.

3} إلغاء المرسومين المشؤومين وجميع المراسيم والقوانين التي تحرم أبناء الشعب من الولوج الى الوظيفة العمومية

4} اقرار سياسات وطنية حقيقية في مجال التشغيل كفيلة بتوفير الوظائف ومناصب الشغل القار لأفواج المعطلين والمعطلات

         وهذا مؤشر قوي لتوحيد المعارك النضالية بين جميع التنظيمات والمنظمات، وتوحيد المعركة يؤدي الى توحيد الملف المطلبي؛أي زيادة مطالب التنظيم الجديد التي انضم للمعركة على الملف المطلبي القديم، وبهذا سيصبح الملف المطلبي طويلا وكبيرا، يصعب تحقيقه و يصعب التراجع عليه. ومن يدري قد تنضم الى المعركة قوى متطرفة سواء من اليمين أو من اليسار. فالأولى ستدعوا لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهج النبوة والمتمثلة في الخلايا الداعشية التي تنتظر الفرصة لزعزعة استقرار البلاد، وقد قبضت الشرطة على العدد من الأفراد الذين ينتمون الى هذا التنظيم والذين كانوا في طريقهم لتدشين أول عملية لهم وكان أخرهم بالقنيطرة أثناء صلاة الاستسقاء الأولى. أما الثانية /اليسارين، الذين يسعون الى اقامة الدولة الشيوعية، وخاصة المتأثرين بالتيار الماركسي الجديد/المحدث؛ والذي يرى أنه لا يمكن تحقيق التنمية والتقدم الا بقيام ثورة تؤدي الى خلق نظام اشتراكي جديد، وأهم شروطه تحقيق الاستقلال السياسي الذي يؤدي الى ايقاف عملية النهب التي تعرضت لها  الدول المستعمرة من قبل الدول الامبريالية خلال فترات الاستعمار. وتحقيق الاستقلال  الاقتصادي  والحد من الفوارق الاجتماعية ومن أهم رواد هذا التيار بيير جاليه، وارنست مانديل، فرانز فانون وسمير أمين وكلهم دعوا الى التحرر وكسر التبعية وتحقيق الاستقلال الوطني، وما أحوجنا لتبني هذا التيار الفكري في الوقت الراهن. وهنا ستتضارب المصالح بين القوى اليمينية واليسارية وستلجأ كل جماعة الى السلاح من أجل الدفاع عن مصالحها وضمن حقها في الحياة. وآنذاك ستتبخر وستتلاشى في الهواء كل المفاهيم الرنانة مثل مغرب الاستثناء، مغرب العهد الجديد، مغرب العدالة...

وأخيرا علينا أن نفهم ونعلم بأن المغرب ليس جزيرة معزولة، بل  خلية في جسم المجتمع الدولي، والكثير من الأعداء/الدول الامبريالية؛ تنتظر فرصة زعزعة الاستقرار حتى يسهل عليها استعمارنا من جديد بشعارات معروفة تحت يافطة حقوق الانسان وحماية المدنين وغيرها من المبررات، وبعده استنزاف ثرواتنا الطبيعية والبحرية من جديد كما تفعل روسيا الآن في سوريا. كما علينا ألا نغفل أن المغرب بركان من البارود أي عود ثقاب صغير قادر أن يفجره، وما معركة الأساتذة الا قنبلة من القنابل الموقوتة الموجودة في بلدنا.

وأختم قولي بقولة محمد مرجان وهو استاذ سوسيولوجي بجامعة ابن طفيل القنيطرة وهي كالتالي : "المجتمع الخالي من الحركات الاحتجاجية هو مجتمع ميت،لأن الحركات الاحتجاجية هي التي تمنح وتضمن دينامية المجتمع نحو التغيير".