الأربعاء 7 يناير 2026
كتاب الرأي

أنور الشرقاوي: مهنة الطب.. من نبل الحكيمة إلى إنحدار وإنكسار المداوي المتسول

أنور الشرقاوي: مهنة الطب.. من نبل الحكيمة إلى إنحدار وإنكسار المداوي المتسول الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي
هذا النص ينسج، في نَفَسٍ واحد، تحيةً تقدير لطبيبةٍ كانت حياتها عملاً متكاملاً من الكرامة والالتزام، الدكتورة هنّو العلّالي Dr Hennou ALLALI، وصوتًا متحشرجا و مؤلما، لزميلٍ في مهنة الطب يعيش سقوطًا مهنيًا وإنسانيًا موجعًا. 
 
هناك حيواتٌ ترفع من شأن المهنة.
وهناك حيواتٌ تتركها المهنة تسقط.
في المغرب، تحمل مهنة الطب اليوم هذين الوجهين المتقابلين، المنبثقين معًا من قسم أبقراط نفسه.
مسار إنسانين لم يلتقيا، لكنهما يجسدان معًا قصتين لمهنة الطب بالمغرب في زمنين مختلفين.
وهما طبيبين ليست لي بهم شخصيا  سابق معرفة. 

في قرى أولماس، كان اسمها يُنطق همسًا، بإجلال، كما يُنطق اسم المحسِنة.
درست بعيدًا، بعيدًا جدًا، على مقاعد كلية أوروبية، في زمنٍ كان فيه أن تصبح طبيبًا وبالأحرى طبيبة فعلَ شجاعة، وأكثر شجاعةً حين تكون امرأةً آتية من العالم القروي.

كان بوسعها أن تبقى هناك. أن تعيش براحة، وأن تمارس المهنة في هدوء، وأن تكتفي بمسارٍ مهني مشرّف. لكنها اختارت غير ذلك. إختارت العودة للوطن. إذ اختارت العطاء. إختارت أن تفتح دروبًا وطرقا حيث لم تكن سوى مسالك ضيقة ووعرة. كانت تُداوي الأجساد، نعم، لكنها في العمق كانت تبني. مدرسةً لفتياتٍ منسيات في الجبال. داخليةً لمن حكم الفقر عليهن بالصمت. وتعاونيةً حتى لا تمدّ النساء أيديهن للشامتين، بل يقفن مرفوعات القامة. كانت تؤمن أن الطب لا يتوقف عند الجسد، بل عليه أن يرمّم المصائر أيضًا. وحين كانت تسير في قريتها، لم يكن الناس يرون طبيبة نساء حاصلة على شهادة فقط، بل كانوا يرون وعدًا. دليلًا حيًا على أن الطبيب يمكن أن يكون عمودًا، ومرجعًا، ونورًا جماعيًا.

غادرت عالمنا هذه الحكيمة في مطلع سنة 2026 Dr Allali . رحلت كما عاشت: بصمت، باستقامة، تاركةً خلفها جدرانًا ومدارس ونساءً مستقلات، وفكرةً نبيلة عن الطب.
وفي مطلع سنة 2026 هناك كذلك  الجانب الأسود المظلم  لمهنة الطب.
طبيب له عيادة فارغة، وشهادات معلّقة على الجدار، وليالٍ بلا نوم.

يبلغ التاسعة والأربعين. فعل ما طُلب منه. درس، وتكوّن، وتخصّص أكثر: الاستعجالات، الكشف المبكر، تتبّع الأمراض المزمنة.
ظنّ، وربما بسذاجة، أن الكفاءة لا بد أن تُكافأ يومًا. لكن المرضى قلّوا.
جرفتهم المؤسسات الصحية الخاصة الأخطبوطية. وأصبح هذا الدكتور مثل العديد من أقرانه ضحية نظام لم يعد يعر أطباء القرب اي قيمة. 

طرق أبواب الدولة، فجاءه الجواب بارداً: تاريخ ميلاد يقطع الامل. كبير في السن ليدخل قطاع الصحة العمومية ، و صغير ليخوض تجارب أخرى. 
عالق بين قواعد إدارية قاسية وواقع اقتصادي لا يرحم.
تتراكم ديونه. ويُغلق حسابه البنكي كبابٍ يُصفق في وجهه. وخلفه أطفال، ومحافظ مدرسية، وإيجارات، وموائد يجب أن تُملأ.

إنه طبيب في سنة 2026 وهو في عقده الخمسين يطلب عملاً ولا يجده.  لا يطالب بالأوسمة، بل بالحدّ الأدنى من الكرامة لإطعام أسرته.
 
بين هذين الطبيبين، ليست المسألة فرق أجيال أو مسارات. إنه الانهيار التدريجي لعقدٍ اجتماعي ولمهنة نبيلة : الطب.
 
في الماضي، كان المجتمع يحمي أطبّاءه لأنه كان يعلم أنهم يحمونه.
اليوم، اصبح الطبيب في مهب مجتمع قاس لا يؤمن إلا بالمادة.
إنها نفس المهنة النبيلة لكن في  حقبتين زمنيتين مختلفتين. 

انزلقت مهنة الطب من حكيم ركيزةٍ ومنارة في مجتمعه إلى مهنيٍّ معزول منبوذ معرض للإنقراض.
وربما هنا تكمن أعمق أشكال الانحدار. ليس لأن بعض الأطباء ما زالوا يعطون بلا حساب. بل لأن آخرين، لا يقلّون كرامةً ولا استحقاقًا، يُجبرون على الاستجداء ليواصلوا الوجود.

حين تُنجب مهنةٌ واحدة بناة مدارس وأطباء يتوسّلون للبقاء، فتلك علامة فارقة. .إنه إنذار.
صرخة مكتومة. مجتمعٌ كفّ عن العناية بمن يعتني به.
وطالما استُبيح هذا التناقض، ستواصل مهنة الطب فقدان أثمن ما تملك: كرامتها.