Saturday 30 August 2025
فن وثقافة

كوكاس: بنيونس عميروش وأنا.. التشكيل والصحافة والمحبة

 
 
كوكاس: بنيونس عميروش وأنا.. التشكيل والصحافة والمحبة عبد العزيز كوكاس وبنيونس عميروش

"أهل صناعة الشعر، أبصر به من العلماء بآلته" ابن رشيق

 

ما الذي تساويه لوحة معلّقة على جدار إن لم تُعلّق أولًا في القلب؟

ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمته من عميروش، أن التشكيل ليس زينة معلّقة على جدار بل أداة جمالية تعيد تشكيل وعينا بالعالم. كان حضور بنيونس في حياتي أشبه بيدٍ رقيقة تزيح الغبار عن عينيّ لأرى فن التصوير كما لم أره من قبل، لا مجرد صور وألوان ووجوه تفتح الوعي على مسار لا ينتهي من الأسئلة التي تتجاوز جماليات اللوحة إلى معنى الوجود نفسه.

منذ لقائي الأول به، في بدايات الألفية الثالثة، كان واضحا أن الرجل لا يخفي مكتبته ولا صيدليته كما نصح رولان بارت، بل يفتحها على اتساعها لكل من يطرق بابه. كانت مكتبته بمثابة أرشيف للعين، خزان أسرار لفن عصيّ على الاختزال، وهناك بدأ انجذابي إلى عالم التشكيل يتخذ طريقه الجاد.

كنتُ أدخل بيته في مكناس، ذلك البيت المعلّق في الطابق الأخير من عمارة، بيتٌ قريب من السماء، وأتساءل: هل اختار عميروش هذا العلو ليُدرّب نفسه وضيوفه على شقاء الصعود أم ليرفع اللقاء الثقافي والفني إلى مقامٍ لا يُنال بسهولة؟ كان منزل عميروش أكثر من مسكن، كان منتدى مفتوحا لرموز الثقافة والفن: الميلودي شغموم، عبد الناصر لقاح، بوسلهام الضعيف، هشام العلوي، أحمد أمنصور... وكثيرون ممن حظيت بلقائهم في منزل بنيونس الذي كان بحق بيتا للألفة والألّاف والمؤلفين، فضاء مشبعا بالفن والنقاش والدفء الإنساني.

حين توليت رئاسة تحرير "الصحيفة"، كان حلمي الصغير أن أرى "الصحيفة" ليست منشورا سياسيا، ولكن طابقا متنوعا يضم صفحة للسينما وصفحة للأسرة والطفل وصفحتان للرياضة، وصفحة للشعر والقصة، وصفحة للقانون والحقوق وصفحة لنبض المجتمع وصفحة للتشكيل.. أن تعكس ذلك التنوع الذي نريده أن يكون في المجتمع، حوار بين أجناس صحافية متنوعة، تجانس بين مكونات ثقافية متعددة وأصوات باذخة، تعكس مختلف التحولات التي تعرفها التصورات، البنيات، الأفكار، الرموز والقيم التي تخترق المجتمع المغربي، اختلاف سعيد لا خلاف متوحش.

وفي قلب هذا التنوع كان لا بد أن يكون للتشكيل مكانه كجزء من البنية الرمزية لمغرب كان يبحث عن حداثته الخاصة. يومها كانت الصحافة المستقلة في أوج الأسئلة القلقة لمرحلة متميزة من الزمن المغربي، وظلت رغم الإقبال عليها، مشكوك في مشروعها ومشروعيتها، والاتهام والسموم تحيط بها من طرف السياسيين ورجال الحكم خاصة، وكنت أرى - إلى جانب زملائي في هيئة التحرير- في المثقفين والطبقات الوسطى ذلك الماء الذي يمكن أن يحضن سمكة "الصحيفة"، من هنا استقطابي أسماء وازنة للكتابة أسبوعيا في "الصحيفة" أمثال: إدريس الخوري، محمد الساسي، عبد العزيز النويضي، عبد الرحيم الجامعي، عبد الرحيم برادة...

يومها عرضت على الصديق بنيونس فكرة أن يخص الجريدة بصفحة أسبوعية حول التشكيل، فوافق والتزم بصرامة قلّ نظيرها. ومنذ تلك اللحظة صار الفن التشكيلي حاضرًا في قلب مشروع صحفي أراد أن يكون صورة عن مجتمع متنوع، لا عن خطاب سياسي أحادي.

أكثر ما أدهشني في بنيونس هو انضباطه ووفاؤه، على خلاف كثير من المثقفين الذين يتأخرون عن مواعيدهم أو يتركون التزاماتهم معلّقة. كان يكتب بانتظام، يده لا تصنع سوى الجميل، فلبنيونس خط جميل وساحر يحملك بغواية نحو الأقاصي بلا دليل للتيه، ظل يكتب مادته النقدية بخبرة العارف وعشق المتيم أيضا.. لذلك كانت صفحة التشكيل أعز إلى قلبي، بها أفتتح تصحيح مواد كل عدد، لأنها كانت بمثابة الضوء الذي يعلن ميلاد العدد الجديد، ولها الفضل الكبير في توجيهي نحو زيارة المعارض، وتوطيد علاقاتي مع أصدقاء تشكيليين، والاهتمام بما ينشر في مجال فن التصوير وكان ذلك إضافة جدية بدأت مع الحريري، الملاخ، والغطاس بمرس السلطان في منتصف التسعينيات.. وأثرتها صداقتي مع المبدع والناقد بنيونس عميروش التي ستصبح تورطا حميميا في علاقة قرابة ودم.

ساهم بنيونس عميروش، مع جيل من النقاد التشكيليين الكبار، في نقل النقد الفني بالمغرب من مرحلة الانطباع والحدس، إلى مرحلة التأسيس المعرفي والمنهجي، مع موليم العروسي، إبراهيم الحيسن، شفيق الزوكاري، محمد الشيكر، بوجمعة أشفري وأحمد لطف الله... وآخرين، أصبح النقد التشكيلي حقلًا قائما بذاته، بصرامته اللغوية والمفاهيمية، وبانفتاحه على العلوم الإنسانية والفلسفة والجماليات.

لم يكن بنيونس عميروش مجرد ناقد تشكيلي، فهو فنان تشكيلي ومدرس لسنوات طويلة بهذا الفن، وتشكل كتاباته وسيطا بين اللوحة والقلب، بين الفنان والجمهور، بين الصورة والكلمة. لذلك، فإن صداقتي معه لم تكن مجرد علاقة مهنية بل تورط حميمي في عالم الفن، حتى صار جزءًا من ذاكرتي الشخصية ومن وعيي بجماليات العالم.

أضحت الصفحة الثقافية جزءا من المادة الإخبارية المقدمة لجمهور القراء، وليست مجرد حاشية على متن "الصحيفة"، وكانت صفحة المبدع والناقد التشكيلي بنيونس عميروش فتحا مبينا ومتميزا، وسيرافقني من "الصحيفة" إلى "الأخبار المغربية"، التي أصدرتها رفقة الصديق المبدع عبد القادر الشاوي...

في ثنايا كتابته عن التشكيل، نجد مستويات متعددة في أسلوب بنيونس عميروش:

1 ـ فهناك المبدع المتذوق للأثر، نجد ذلك الابتهاج الصوفي الذي يقودنا إلى عتمات اللوحة/ المنجز التشكيلي، كان صورة، لوحة، نحتا... تحس بأن فنانا يقدم فنانا، مبدعا مصورا يحاور مبدعا مصورا، تشكيليا يعيد إنتاج اللوحة بقلبه، يمنح الأثر لغة ناطقة مبتهجة، فبنيونس إلى جانب القليل من التشكيليين منحوا اللوحة المغربية فعالية الرمز اللغوي، وجعلوا للصورة صوتا خاصا.

2 ـ وهناك الناقد التشكيلي الملم بمجال اهتمامه، الذي يصهر أدواته النقدية جيدا، ويطوع منهاجه في مقاربة اللوحات على اختلاف توجهاتها ومادتها، تحس في كتابات بنيونس عميروش خلفية ثقافية عميقة، ومعرفة باذخة بحقل التصوير والمدارس الجمالية الغربية والعربية والمغربية بخاصة، لقد تجاوز النقد التشكيلي مع عميروش وزمرة من النقاد التشكيليين حقل الانطباع والحدوس، والنقد الصحفي السطحي، أو استهداف الأدباء لفن التصوير واقترافهم مهمة النقد التشكيلي فقط من باب امتلاكهم ناصية لغة عالمة.

3- ثم الناقد البيداغوجي، نحس في كتابات بنيونس عميروش حضور الحس التواصلي، نوعا من المصاحبة البيداغوجية التي يقوم بها الناقد لمساعدة القارئ على تذوق الأثر التشكيلي، ظل بنيونس شغوف بوظيفة التبليغ، لذلك فإن أغلب كتاباته تخاطب التشكيلي المتخصص، والجامعي الأكاديمي والأديب المهتم وكل من له علاقة بفن التصوير، والقارئ غير المتخصص الذي يجد في مقاربات بنيونس الفائدة والمتعة معا.. وهذا في تقديري مرتبط بوظيفة التدريس التي مارسها بنيونس لسنوات في مادة تخصصه ولا زال وإن من موقع مغاير.

يمكن القول إنّ مصادر إغناء النقد التشكيلي بالمغرب مرت عبر ثلاث مستويات متداخلة ومتكاملة:
أولها، ما كتبه الفنانون التشكيليون أنفسهم عن تجاربهم التصويرية، أو ما صاغوه من تأملات خلال الندوات والمناظرات والحوارات الصحافية، حيث شكّلوا بذلك نواة أولى لوعي نقدي من داخل الممارسة، بدءاً من محمد شبعة وما أسّسه من خطاب بصري نظري، مروراً بمحمد القاسمي بما له من جرأة تعبيرية وتصور فلسفي للفن.
وثانيها، ما انفتح على النقد التشكيلي من داخل الحقول الفكرية والأدبية والسوسيولوجية، حيث أغنى هذا البعد المتعددُ الأفقِ النقاشَ حول التشكيل المغربي. هنا نستحضر عبد الكبير الخطيبي بنظرته السيميولوجية التي مزجت بين اللسانيات والفكر الفلسفي، وإدريس الخوري الذي كتب بلغة القاص المندهش من جمالية اللوحة، ومحمد بنيس الذي أضاء النص البصري بفتنة الشعر، ثم حسن نجمي الذي قارب الفن باعتباره جزءاً من الحقل الثقافي والرمزي.. هذه الأصوات أسست لوعي بأن التشكيل ليس معزولاً عن الأدب والفكر، بل هو جزء من سؤال الهوية الجمالية للمغرب.
أما المستوى الثالث، فيتجسد في النقاد المتخصصين في الحقل التشكيلي الذين عملوا على تخليص الخطاب النقدي من أسر الانطباعية والذوق الشخصي، وبنوا أدوات ومناهج قادرة على ملامسة العمق الجمالي للعمل الفني. وهنا يبرز جيل من النقاد الذين رسخوا لغة تحليلية رصينة، ومن بينهم بنيونس عميروش الذي أعتبره اليوم في طليعة هذا المسار، لما يتسم به من دأب معرفي ونسك أقرب إلى التجربة الصوفية، ومن حيوية فكرية تجعله حاضراً في كل ما يصدر في مجال تخصصه، ومن صرامة منهجية تمنحه مسافة نقدية متزنة. إنّ كتابته لا تُمارَس كهواية عابرة، بل كمسؤولية أخلاقية وبيداغوجية، تحرص على بناء الذائقة وتربية العين على الإصغاء لجماليات التشكيل.