Friday 29 August 2025
كتاب الرأي

كريم مولاي: العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى أين؟

 
كريم مولاي: العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى أين؟
تعيش العلاقات الجزائرية - الفرنسية منذ فترة حالة من التوتر العلني والمتصاعد، تجاوزت الخلافات التقليدية حول الذاكرة والهجرة، لتتحول إلى صراع مفتوح على خلفية مواقف باريس من ملف الصحراء المغربية. فإعلان فرنسا دعمها الصريح للموقف المغربي مثّل نقطة تحوّل استراتيجية دفعت الجزائر إلى إعادة تقييم عمق علاقتها مع شريك تاريخي لم يعد يُنظر إليه كوسيط محايد في المنطقة.

الصحراء المغربية: محور الأزمة
الموقف الفرنسي الداعم للمغرب اعتبرته الجزائر مساساً مباشراً بأمنها القومي وبمكانتها الإقليمية. فالجزائر ترى أن النزاع لا يمكن حسمه خارج إطار الشرعية الدولية، بينما باريس دفعت باتجاه تثبيت الأمر الواقع. هذا الخلاف الجوهري حوّل فرنسا في نظر الجزائر من طرف شريك إلى طرف خصم.

دبلوماسية العقاب المتبادل
التصعيد لم يظل خطابياً، بل تجسد في خطوات عملية: طرد موظفين دبلوماسيين، فرض قيود متبادلة، واستدعاء الممثلين الرسميين. هذه الإجراءات أوحت بأن العلاقة لم تعد تُدار بالقنوات الهادئة كما في السابق، بل بمبدأ “الرد بالمثل” الذي يعكس غياب الثقة السياسية.

ورقة التأشيرات والهجرة
ملف التأشيرات والهجرة ظلّ سلاحاً تقليدياً في يد فرنسا، لكنها وظفته مؤخراً بشكل أوضح كورقة ضغط سياسية. الجزائر ردّت بخطاب سيادي قوي، معتبرة أن المسألة تجاوزت البعد التقني لتصبح ابتزازاً سياسياً غير مقبول، خصوصاً في ظلّ رفض التعاون غير المتكافئ في قضايا الترحيل والأمن.

الذاكرة: أداة تعبئة ومواجهة
قضية الذاكرة الاستعمارية ظلت دائماً حاضرة، لكنها برزت أكثر كلما ارتفع منسوب الخلاف. الجزائر تُطالب باعتراف كامل واعتذار رسمي عن الجرائم الاستعمارية، بينما فرنسا تكتفي بخطوات رمزية. هذا التباين يجعل الملف بمثابة ورقة تعبئة داخلية تستخدمها الجزائر كلما احتدم الصراع السياسي مع باريس.

الاقتصاد: المصالح تُبطئ الانفجار
رغم التوترات، يبقى الاقتصاد عاملاً يفرمل الوصول إلى القطيعة الكاملة. فرنسا ما تزال شريكاً مهماً للجزائر، لكن الأخيرة تسعى بوضوح إلى تنويع شركائها عبر تعزيز علاقاتها مع الصين، روسيا، تركيا، وإيطاليا. هذا التوجه يقلل تدريجياً من النفوذ الفرنسي ويجعل باريس أكثر قلقاً من خسارة امتيازاتها التقليدية.

استشراف العلاقة اليوم تقف عند مفترق طرق:
إما أن تُراجع فرنسا سياساتها، وتعيد صياغة شراكة تقوم على الندية واحترام المصالح الاستراتيجية للجزائر.

أو تستمر في الانحياز القائم، بما يعني الدخول في مرحلة برود طويل الأمد، تتآكل خلالها مكانتها تدريجياً في المنطقة المغاربية لصالح قوى دولية منافسة.

الخلاصة
التوتر الحالي ليس مجرد أزمة عابرة، بل يعكس انتقال العلاقة إلى طور جديد عنوانه الصراع المفتوح وتعدد الجبهات: الصحراء، الذاكرة، التأشيرات، والاقتصاد. وإذا كانت المصالح المشتركة تمنع الانفجار الكامل، فإن غياب الثقة يجعل أي تهدئة ظرفية وقابلة للانهيار في أي لحظة.
 
كريم مولاي، خبير أمني جزائري- لندن