الخميس 30 يونيو 2022
رياضة

عمر مروك: الشغب الرياضي هو أسوأ تعبير عن الإحتجاج وبشكل خطرا يهدد السلم والأمن داخل المجتمع

 
عمر مروك: الشغب الرياضي هو أسوأ تعبير عن الإحتجاج وبشكل خطرا يهدد السلم والأمن داخل المجتمع مشهد لشغب جماهير الملاعب و عمر مروك
تتاسلت وبشكل لافت ظاهرة الشغب التي اكتسحت ملاعب كرة القدم بالمغرب وباتت تتذر بتطورات مخيفة بعيدا عن أجواء الفرجة والاحتفالية التي ألفت الجماهير أن تخلقها لهم الكرة الساحرة،  خاصة بعدما خلفت الاحداث المتلاحقة العديد من الضحايا . "أنفاس بريس" اتصلت في هذا الإطار بعمر مروك، باحث في السوسيولوجيا السياسية، وعضو مركز شمال افريقيا للدراسات والبحوث وتقييم السياسات العمومية وطلبت قراءته للظاهرة فأعد الورقة التالية:
 
الإنسان كائن إجتماعي بطبعه، ينصهر ضمن منظومة فئوية إجتماعية و قيمية معينة تميزه عن غيره، الإنصهار داخل تلك المجموعة يتجسد من خلال أشكال تعبيرية و تمثلات تجسد في مدخلاتها و مخرجاتها عن حمولة هوياتية رياضية، ثقافية ، إجتماعية ،سياسية ، نقابية ،و عبر أشكال إحتجاجية معينة كرد فعل عن سياسات إقصائية أو كتعبير عن عدم الرضى او عن تأييد توجه أو أحداث معينة.
ظاهرة شغب الملاعب تدخل ضمن هاته الأشكال التعبيرية والإحتجاجية السالفة الذكر ،و التي تعود أصولها لما يعرف بظاهرة الهوليكانز و ما عرفته الملاعب الإنجليزية والأوروبية من موجة عنف و تخريب جراء المباريات . 
ظاهرة الشغب لها أبعاد نفسية سوسيو اقتصادية  تعبر عن خوالج هاته الفئة الهائجة والتي ارتأت التعبير عن ذاتها من خلال العنف والترهيب و تخريب ، وتشكل ناقوس خطر لدى صناع القرار والرأي العام الوطني و الدولي، و السبب يكمن في أن الشغب الرياضي هو ضرب في العمق لقيم الروح الرياضية والتسامح و نبذ العنف واحترام الإختلاف و السلامة الجسدية وملكية الغير.وبالتالي فالشغب الرياضي هو أسوأ تعبير عن الإحتجاج لكونه ينبني على العنف و التخريب وتعريض السلامة الجسدية للغير للخطر، ولا يبحث عن الوصول لنتيجة معينة أو رسالة واضحة من أجل الوصول لملف مطلبي معين مثل الإحتجاجات النقابية او السياسية أوالإقتصادية ، ولا تقوده مجموعة منظمة وممأسسة ،ومخاطب معين في سبيل التفاوض والتوصل لنتيجة مطلبية متوافق عليها. 
الشغب الرياضي بطبعه يقوم على الفوضى وعدم التأطير مما يجعله خطرا مجتمعيا يهدد السلم والأمن المجتمعيين ،ويشوه تلك الصورة النبيلة و الرسالة المفروضة في الرياضة عموما. لذلك فتحليل ظاهرة الشغب تستدعي دراسة سيكولوجية لتلك الجماهير الهائجة و طريقة تفكيرها و الطرق التي تتأثر وتتحرك بها لان الأحداث الضخمة التي تناقلها التاريخ الإنساني عموما هي نتاج للمتغيرات اللامرئية التي تصيب عواطف البشر ،وإن اللجوء للفوضى يجعل من الصعب التنبؤ بما سيتولد عنها في المستقبل .
 الشغب الرياضي يعبرعن أزمة هوياتية وانفصام عن الواقع المعاش،لأن اللجوء لتخريب الممتلكات له تمثلات جد خطيرة.  
التمثل الأول: هو  أنهم يعتبرون تلك الأملاك ليست لهم ومن حقهم (المحتجون ) الإستيلاء عليها ونهبها وتدميرها، والحال انه تم انشائها من خلال اموال دافعي الضرائب ،أي أنها تخصهم بالدرجة الأولى. 
التمثل الثاني : أن تخريب ممتلكات الدولة يعبر عن الفصام والقطيعة وعدم الرضى لتلك الفئة الهائجة عن تدبير السياسات العمومية و انسداد الأفق الإقتصادي و الإجتماعي أمامها . 
التمثل الثالث: لتخريب ممتلكات الدولة في ثناياه رسالة مشفرة خطيرة ،انهم لا يمتلكون هذا الوطن وأن مواطنتهم باتت من الدرجة الثانية أوالثالثة ، و بالتالي نكون أمام ازمة هوية وطنية بتداعيات سوسيو-اقتصادية.
 إن تتبع الباحثين و الرأي العام لظاهرة الشغب الرياضي  جعلهم ينقسمون إلى قسمين ، قسم يقول أنه عنف مقصود لخدمة أجندات جهات معينة داخل المغرب و خارجه، و يالتالي نحن أمام جمهور منظم بأهداف خفية تستدعي الحيطة و الحذر و مقاربة أمنية إستباقية ، و قسم آخر يعتبرها لصيقة بالأحداث الرياضية وشكل تعبيري عن حدث رياضي كبير ولا تستدعي التضخيم لكونها ظاهرة عالمية
نكون إذن أمام جمهور في حالة  نفسية حمولتها الحماسة الزائدة  التي تلاشت معها الشخصية الواعية و هيمنت مكانها الشخصية اللاواعية والتحريض و الشعارات العنيفة وعدوى العواطف و تحول الحماس المحرض عليه الى ممارسة مباشرة من تخريب و عنف لفظي و مادي، تستدعي للحد منها مقاربة تربوية- و أخرى إقتصادية إجتماعية ،و  
دراسة سيكولوجية الجماهير في علاقتها بالمحيط السياسي والإجتماعي بالمغرب، والظاهرة  ليست وليدة اليوم ويمكن ان نحيل على واقعة ذكرها الاكاديمي الأمريكي جون واتربوري في كتابه (أمير المؤمنين ..الملكية و النخبة السياسية المغربية)- ، في معرض تطرقه لقضية بن بركة ، كان يتوقع جون واتربوري انفجار الاوضاع في المغرب في اي وقت، و حين سمع صراخا شديدا لم ينقطع في شارع قريب من جامعة محمد الخامس بالرباط ، اخبر زوجته ربما اندلعت المظاهرات بقيادة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية بسبب اختفاء الزعيم بن بركة ، حيث كان خائفا على زوجته، وفكر في اللجوء للسفارة الأمريكية وذهب مذعورا لعين المكان ، وإذا به يجد جماهير صاخبة تشجع فريقين محليين لكرة القدم فقط!!.
والقضية ليست في تهويل ظاهرة الشغب من عدمها. ولكن الإشكال اليوم هو كيف السبيل لتأطير هاته القوة الناعمة - الجماهير الرياضية - لخدمة الهوية الوطنية وتعزيز الإنتماء بدل استغلال  تلك الجحافل الرياضية في العنف وإرهاب الغير و تخريب صورة البلد خارجيا وما سيتبعه من ضرب للسياحة  و الإستثمار الأجنبي ، و نحيل على دور الجماهير الرياضية المغربية في واقعتين لخدمة القضايا العادلة ، الأولى نصرة الجماهير البيضاوية للقضية الفلسطينية بالاغنية الملحمة الحبيبة يا فلسطين  و كذلك دعوة الجماهير المغربية لمناصري فريقي الريال و البارصا لمقاطعة الفريقين بسبب المواقف الإسبانية السابقة عند استضافتها زعيم البوليساريو بن بطوش على اراضيها .
إننا  في الحاجة لتأطير تلك الجماهير الرياضية لتكون شمعة أمل و صورة لمغرب اليوم، أي مغرب التحديات ، جمهور واعي ومسؤول ، جمهور له حس وطني عالي ويعبر عن عمقه التاريخي و الهوياتي.