الخميس 27 يناير 2022
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: الصحافة ليست مهنة عادية

عبد السلام المساوي: الصحافة ليست مهنة عادية عبد السلام المساوي

المسألة غير هينة، وغير سهلة، ويلزمها قليل من الكلام الهادئ والرصين لأن الموضوع ساخن ولا يتحمل تناوله بالنزق الذي يسببه البوليميك والانخراط فيه. ذلك أنه عندما تقرر وسيلة إعلامية ما، سواء من خلال مالكها الوحيد او من خلال ملاكها المتعددين أن تصبح ناطقة رسمية باسم عبد اللطيف وهبي، تقطع خطوة كبرى جدا في الانفصال عن المحيط المهني الذي وجب أن تشتغل فيه الصحافة.

 

المسألة اختيار؟ نعم، والمسألة تندرج في تصور كل واحد للمهنة، ولارتباطات المهنة؟ نعم مرة أخرى. لكنها بالفعل خطوة غير هينة. وفي الغالب الأهم يؤدي المرتبطون هذا الارتباط اللامهني في نهاية المطاف ثمن هذا الارتباط عندما تنكشف الأمور وتسقط الأوهام ويجدون أنفسهم على رفين اثنين:

- على رف المهنة، التي لم يعودوا مهتمين بممارستها الا بقدر المصالح المادية والمكتسبات الزائلة التي تسمح لهم بتحقيقها؛

- وعلى رف الوطن، الذي يشرع في النظر بريبة لمن يؤجر صوته أو قلمه، والكاميرا التي يصور بها لهذا الشخص أو لذاك، لهذا الحزب أو لذلك .

 

سوى أننا ملزمون بقولها: ولاء الصحافي يجب أن يكون لوطنه أولا. ومهنة الصحافة ليست مهنة عادية. هي تقترب في كثير من تفاصيلها من المهن الحساسة التي يسمح لها بالخروج والتنقل في الحالات الاستثنائية لأنها تمارس دورا يقترب كثيرا من دور الجندية ودور الأمن ودور حماية الوطن في جبهة أخرى هي الجبهة الإعلامية.

 

البعض ينسى أو يتناسى، ويعلنها مدوية بشكل واضح ووجه مكشوف ويقول "لقد بعت والسلام"، لكن الأمر يبقى على خطورته الأولى: لا مجال للارتزاق، ولا ثقة في أصحابه، تماما مثلما لا ثقة في الذين يغتصبون الصحافة ويقدمون أنفسهم كبراحين للسيد عزيز أخنوش.

 

للتأمل ليس إلا بكل هدوء، حسبما يسمح به مقام الانتماء للوطن، وهو مقام لا يتقبل إلا قليل الهدوء (المغرب أولا)...

 

كثيرة هي الجرائد الورقية (المشهورة)، وكثيرة هي المواقع الالكترونية، صفقت لعبد اللطيف وهبي، كتب علي الغنبوري "من غرائب الإعلام، أن المذبحة التنظيمية والسياسية التي شهدها المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة تمر مرور الكرام ولا أحد يتحدث عنها وكأن شيئا لم يقع، وهبي الذي شكل مكتبه السياسي كما تشكل الأنظمة الديكتاتورية هيئاتها، لا يتحدث عنه أحد، بل بالعكس تخصص له أعمدة الصحف لتناول كلمته ومواقفه وتهجماته على الطيف السياسي.

 

الإعلام يتغاضى بشكل مريب على طريقة تشكيل المكتب السياسي الأصالة والمعاصرة، الذي جاء بالتعيين من طرف وهبي، ويصمت على احتجاجات أعضاء المجلس الوطني لهذا الحزب، أمام هذه الديكتاتورية المقيتة والمشوهة للعمل السياسي المغربي التي قام بها وهبي، وفي المقابل يسلط الضوء على هجوم وهبي على الاتحاد الاشتراكي.

 

تخيلوا معي لو ما قام به وهبي، قامت به قيادة الاتحاد الاشتراكي، لما جفت الصحف عن ما كان سيتعرض له الاتحاد من جلد و تقريع، للأسف ما يتم اليوم من تغاضي عن ما يجري داخل هذا الحزب الدخيل على الحقل السياسي المغربي، يثير أكثر من سؤال ويطرح الشك والريبة، حول وضعيته وحول توجهاته وغاياته، وعن أدوار الإعلام وعن استقلاليته ونزاهته و مصداقيته.

 

توضيح

إن الحزب يختص، من بين كل المؤسسات المجتمعية (الجمعيات، النقابات، مؤسسات الإعلام...) بالممارسة السياسية وتأطير المواطنين وتأهيلهم لممارسة الشأن العام، كما يعمل على تكوين النخبة السياسية، خدمة للمواطنين وتلبية لحاجاتهم المتنوعة والمختلفة وتحت مراقبتهم ومحاسبتهم... وهذا أوج ما وصلت الديموقراطيات المعاصرة بعدما استكملت نضجها المجتمعي واستقرارها السياسي...

 

الحزب إذن وسيلة من وسائل ممارسة الشأن العام السياسي، يتقاطع مع كثير من المؤسسات المجتمعية الحديثة، من غير أن تتمكن أي منها من أن تنوب عنه في تربية المواطنين على ممارسة حق المشاركة السياسية، وأن ذهب بعضهم عن جهل او خلط مع سبق الإصرار إلى التبشير ببديل عن الأحزاب السياسية، يحصرونه في جمعيات محسوبة على المجتمع المدني أو الصحافة أو ما شابهها ...

 

مباشرة بعد تشكيل حكومة التناوب تكونت معارضة من طرف جهات دعت إلى ضرورة إخلاء المكان للخبرة التقنوقراطية، واعتبرت أن الفريق الحكومي دون خبرة وتجربة. إن دعوة مثل هذه هي كانت في العمق دعوة إلى استمرار حالات الاستثناء، والتراجع عن تقدمات وفتوحات حصلت في الممارسة السياسية المغربية، وهي تقدمات لم تحصل عبثا، بل جاءت كحصيلة لصراعات وتوافقات عرفها الواقع السياسي المغربي فكرا وممارسة، وأن هذه الدعوة كانت أيضا دعما لذلك التحالف التكنوقراطي الذي أسندت إليه الأمور في السابق، والذي يعود اليوم من النافذة مصبوغا بألوان حزبية...

 

إن الإعلام الجاد والهادف ركيزة من الركائز الأساسية لتحقيق الديموقراطية والتنمية. فالديموقراطية لا تقوم على اختيار المنتخبين فقط، بل على مساهمة المجتمع كله. إن الأحزاب والنقابات والجمعيات والإعلام... ركائز محورية للديموقراطية، فإذا كانت الأحزاب تقرر؛ فالجمعيات تقترح، تراقب وتنتقد، وتطالب بالتغيير والتصحيح، والنقابة تدافع عن مصالح العمال والصحافة سلطة رابعة مستقلة عن كل السلط...