الاثنين 17 يناير 2022
سياسة

إبراهيم الراشدي يرصد إشكالية إلزامية جواز التلقيح في 3 مستويات

إبراهيم الراشدي يرصد إشكالية إلزامية جواز التلقيح في 3 مستويات إبراهيم الراشدي مع نموذج من جواز التلقيح

نظم المجلس الوطني لحقوق الإنسان مائدة مستديرة، يوم الأربعاء 3 نونبر 2021، حول موضوع " إلزامية جواز التلقيح: أية مقاربة"، شارك باحثون وحقوقيون، افتتحت بكلمة لرئيسة المجلس الوطني أمينة بوعياش، وبعدها تلتها مداخلات كل من الأساتذة: محمد الهاشمي، عز الدين الإبراهيمي، إبراهيم الراشدي، سارة سوجار، هبة الله العلمي، فضلا عن مداخلة وزارة الصحة وكلمة الهيئة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي..

وتعميما للفائدة تنشر "أنفاس بريس" كلمة الأستاذ المحامي إبراهيم الراشدي:

 

"أولا- على المستوى التواصلي:

هناك أربع ملاحظات يجب أن تتفاداها الحكومة مستقبلا في تدبير هذا الملف

1- الأولى، هي أنه، وعلى غير العادة، تم الاقتصار في نشر مضمون البلاغ على وكالة المغرب العربي للأنباء، ولم تقم أي جهة حكومية أو رسمية بنشر البلاغ على مواقعها الرسمية أو صفحاتها بالوسائط الاجتماعية، فغياب البلاغ الملزم لوثيقة جواز التلقيح عن هذه المواقع والصفحات الرسمية شكل أزمة تواصلية دفعت إلى جدال عقيم عند عموم الناس حول صحة البلاغ من عدمه...

 

2- الملاحظة الثانية، تتمثل في أن إصدار البلاغ مساء يوم تليه عطلة دينية ينشغل فيها عموم المغاربة بطقوس وممارسات عائلية خاصة ويكثر فيها السفر لصلة الرحم بين أفراد العائلات، وبالتالي يكون التواصل الرسمي مع عموم المغاربة يحتاج إلى تمهيد قبلي حتى تتخذ العائلات والأفراد الاحتياطات اللازمة قبل دخول القرار المعلن عنه حيز التنفيذ...

 

3- الملاحظة الثالثة وهي أن الحكومة غابت عن التواصل المكثف مساء يوم إصدار البلاغ ولا اليومين التاليين وسمحت لدائرة آراء المجموعات غير الراضية يتسع بالقدر الذي خلق لنا الإحساس "بالحكرة"...

 

4- الملاحظة الرابعة والأخيرة تتمثل في ضعف خطاب الحكومة وبساطة حججها العلمية، في شخص الوزارة الوصية، بالفضاء الرقمي والإعلامي، نجم عنه اتساع دائرة الخطاب "العلمي" بين مزدوجتين المشكك في جدوى التلقيح وخلوه من المخاطر، الأمر الذي اتسعت معه دائرة القلق الجماعي من مخاطر اللقاح بل حتى عملية التلقيح في حد ذاتها (ظهور بقع سوداء بلقاح فايزر وما شاع من أخبار ذات الصلة بالموضوع) أو حتى الاستمرار في تلقي اللقاحات الداعمة (فقد شاع عند عموم الناس أن تلقي الجرعة الثالثة ينجم عليه  آثار جانبية خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة)، وهذا ما يفسر بعض التصريحات الرافضة لتلقي الجرعة الثالثة. الحكومة كان عليها الرد على الأسئلة الشائعة والمقلقة لخلق الاطمئنان ولدحض الطروحات "العلمية" الرافضة للتلقيح والمشككة في أمانه وجدواه، بدل الاقتصار على أساليب مُلتوية للإلزام والإجبار والتي تعمق لا محالة أزمة الثقة في المؤسسات، في زمن أصبح فيه جزء كبير من المغاربة يستقون مصادر معلوماتهم ومعارفهم العلمية عن اللقاحات وأضرارها من دراسات وتقارير أجنبية ودوريات علمية متخصصة...

 

ثانيا- على المستوى الحقوقي: هناك أربع ملاحظات

1- ليس الإشكال في جعل وثيقة جواز التلقيح شرط للولوج إلى المؤسسات العمومية والخاصة، بل الإشكال هو أنه لابد أن تكون حماية حقوق غير الملقحين، في نفس مستوى حماية صحة الملقحين وغير الملقحين، فالصحة الحقوقية والصحة العامة يمكن أن يمشيان جنبا إلى جنب ولا تعارض بينهما، فقط الأمر يحتاج إلى ابتكار الحلول بما يناسب خصوصية المجتمع المغربي، وأيضا توخي الحكمة في اتخاذ القرارات من خلال تنويع المقاربات، فجميعا متفقين على أن صحة الإنسان هي الأولوية، لكن لا ينتظر من أن تقول الدولة منذ البداية أن التلقيح اختياري، في حين تفرض الحكومة على المواطنين أساليب ملتوية لإجبارية التلقيح، ولا يمكن لدولة المؤسسات أن تضع غير الملقحين في وضع المحرومين من حقوقهم الارتفاقية المضمونة من قبل الدستور المغربي وبموجب المواثيق الدولية...

 

2- طبعا ما وقع الآن وقع وسينجم عن تنزيل هذا القرار آثار مجحفة ويبقى على الحكومة أن تجد الحلول الممكنة مراعاة منها للأضرار الناجمة عن هذا الأمر غير المنتظر، فطرح بعض الأسئلة سيحيلنا على قضايا ننتظر الوقت لمعرفة مصير مصالح ووضعيات المتضررين.

فالذين رفضوا تلقي اللقاح خوفا على سلامتهم الجسدية ما هو مصير مصالح المرتفقين منهم كالمتقاضين والطلبة… وما مصير وضعيات الموظفين منهم كالأستاذ الجامعي والقاضي والمحامي والموظف…، وما مصير المستخدمين والعمال منهم كالبنكي وحراس الأمن الخاص..، فغيابهم بسبب منعهم من الدخول لمقرات عملهم يضر بالمصالح وبالوضعيات، فهل سيتم فصلهم عن عملهم نتيجة عدم توفرهم على الجواز؟ وما مصير العامل الذي لا يتوفر على جواز التلقيح، هل إذا تم منعه من الولوج لمقر العمل يعد هذا المنع طرد تعسفي، أم إخلال يتحمل العامل مسؤوليته؟ نقاش قانوني وحقوقي يشمل قضايا جوهرية من قبيل إنتهاك حقوق مضمونة دستوريا وهل المنع على أساس التلقيح من عدمه يعتبر تمييزا وخرقا لجملة مبادئ عامة أقرها الدستور والمواثيق الدولية؟

 

3- يجب أن نتفادى جعل رافضي التلقيح أقلية، وجب نبذها وتحميلها مسؤولية عدم وصولنا إلى المناعة الجماعية، بدل الإقرار بفشل المؤسسات في إقناع غير الملقحين بجدوى التلقيح...

 

4- يجب أن تبقى تدابير الحكومة لحالة الطوارئ الصحية منسجمة مع مبدأ حرية الاختيار، فقرار أخذ الجرعة من عدمه بيد الفرد لأنه هو المسؤول عن صحته، وفي بعض الحالات من الجائز دفع بعض الفئات الأكثر عرضة للعدوى لكن بأسلوب الإقناع مع تقديم ضمانات قانونية وتجويد التأمين ضد المخاطر الصحية الآنية والمستقبلية...

 

ثالثا- على المستوى القانوني والتشريعي: هناك 3 ملاحظات

1- إن قيام الحكومة بإصدار قرارات متعلقة بحالة الطوارئ الصحية لا يعني بالضرورة أن هاته القرارات، ورغم قانونيتها من الناحية الشكلية، يجوز بها الشطط وانتهاك الحقوق المضمونة دستوريا، وذلك بهدف إخفاء ضعف أداء الحكومة في هذا الجانب من خلال تقصيرها في إقناع غير الملقحين بضرورة وأهمية اللقاح، بل الآن نحن نسمع أن حتى الملقحين متخوفين من تلقي الجرعات التذكيرية (الجرعة الثالثة).

 

2- يعتقد الكثير أن المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 2.20.292 (بتاريخ 23 مارس 2020) المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، قد أعطت للحكومة البطاقة البيضاء في كل تدابيرها ذات الصلة، لكن ما يلاحظ هو أن الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من المرسوم المذكور قد قيَّدت عمل الحكومة وجعلت بالضرورة متسما بحماية الحقوق، وألزمتها بألا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وأيضا تأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين. والمرسوم هنا لم يميز بين ملقح وغير ملقح، بل إن القانون تحدث عن تأمين الخدمات الارتفاقية وضمان استمرار المرافق العمومية الحيوية، وهذا التأمين والضمان يجب أن يكون لفائدة الجميع دون استثناء. ولا يسع الحكومة هنا تجاوز هذه الفقرة التي تعكس احترام المشرع المغربي لحقوق المواطنين حتى في حالة الطوارئ الصحية.

 

3- تعزيز العمل البرلماني: ونُذكِر هنا بما سجله المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص مسألة تمديد الحكومة لمدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بموجب مراسيم دون الرجوع إلى البرلمان، حيث يطرح هذا الوضع "إشكالات تمس بمقومات دولة الحق والقانون، ويطلق اليد للسلطة التنفيذية، ويقوض دور السلطة التشريعية،" حيث إن المرسوم بقانون المذكور (رقم 2.20.292، بتاريخ 23 مارس 2020 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها) لم يشر إلى ضرورة الرجوع إلى البرلمان إذا اقتضت الضرورة تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية، وأرى، كما سبق للمجلس ذلك، أن ضمان التوازن بين السلط، وإخضاع الإجراءات المتخذة للرقابة البرلمانية يقتضي منا التنصيص على ضرورة الرجوع إلى المؤسسة التشريعية في حالة تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية، فالدستور منح للسلطة التشريعية اختصاصات دائمة ومجردة لا تتوقف إلا بأوضاع دستورية واضحة ومحددة. وحتى لا يصبح وجود السلطة التشريعية كعدمها كان لا بد لنا من حماية الاختصاص الأصيل لهذه السلطة المتمثل في صنع القانون ومراقبة عمل الحكومة"...