الاثنين 24 يناير 2022
سياسة

يستعرضه أبو وائل: الموت السريري للإخوان المسلمين

يستعرضه أبو وائل: الموت السريري للإخوان المسلمين عبد الإله بنكيران (يمينا) ومحمد العبادي، يتوسط، رشيد العنوشي، وإبراهيم منير(يسارا)
لم يتفاجأ أبو وائل، وهو يتابع التطورات الأخيرة في البيت الإخواني على ضوء قرارات الطرد المتبادلة بين التيارات المتصارعة وسط أعلى هرم قيادة جماعة الإخوان المسلمين. 
في هذا البوح يستعرض أبو وائل الريفي خريف الإخوان المسلمين:
 
 
لقد أصدر إبراهيم منير القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، المقيم منذ عقود في بريطانيا، قرارا بإيقاف ستة من قيادات الجماعة، مقيمين بتركيا، منهم خمسة أعضاء في مجلس الشورى العام يتقدمهم محمود حسين الأمين العام السابق مع إحالتهم على التحقيق. وبالمقابل، رد هؤلاء الستة، بإعلان قرار إعفاء إبراهيم منير من مهامه وبأن مجلس الشورى قد انعقد بنصاب قانوني واتخذ هذا القرار. والغريب أن القرار تم نشره على الموقع الرسمي للجماعة ليفهم بعد ذلك أن النشر تم بسبب كون واحد من المشرفين على الموقع من هذه المجموعة.
لم يفاجئني هذا الصراع، ولن يفاجئني أي تطور من هذا القبيل وسط الجماعة الأم لتيارات الإسلام السياسي، وحتى من فروعها في كل العالم، لأن من خَبَرَ هذه التنظيمات وطريقة اشتغالها ومنهج تفكيرها يكتشف أنها قريبة من نهايتها ولم تعد لها القدرة على التأقلم مع التحولات التي يعرفها العالم، وتعرفها دولها، ويعرفها حتى أعضاؤها والمتعاطفون معها. إنها تسير بخطى متسارعة نحو حتفها، وكل ما تبديه من مقاومة لهذا المصير يمكنه تأجيل الموت الطبيعي فقط. لا جديد في ما يجري بالبيت الإخواني إلا خروج هذه الصراعات إلى العلن، وهو ما يبين أن مرحلة التستر على الغسيل الداخلي انتهت وأن حدة الصراعات بلغت درجة لم يعد ممكنا معها التستر عليها.
لم تكن هذه أول أزمة تعيشها الجماعة، ولن تكون الأخيرة، ولن ينفع أنصار الإسلام السياسي تعليق شماعة هذه الأزمة مرة أخرى على عوامل موضوعية تختزل في حالة التضييق والقمع التي تعيشها. لقد سبق أن عاش إخوان مصر صدمة انفصال أبرز القيادات السياسية الشابة في تسعينيات القرن الماضي، وهي المجموعة التي أسست حزب الوسط والتي ترأسها حينها أبو العلا ماضي وعصام سلطان. اضطروا للانشقاق بعد معايشتهم للتردد والجمود داخل قيادة الجماعة. وسبق أن عاشت الجماعة تجربة الانشقاق بعد 2011 حين أسس عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي والعضو السابق لمكتب الإرشاد وأحد بناة الجماعة في فترة السبعينيات في عهد السادات، حزب “مصر القوية”، وتابع الكل حدة الصراع ضده من طرف الجماعة التي اضطرت لترشيح مرسي في آخر لحظة بعد رفض ترشح خيرت الشاطر الممسك حينها بمفاصل الجماعة. والصراعات بين إخوان الأردن انتهت إلى تنظيمين كل واحد يدعي أنه التنظيم الأصلي للإخوان، وانشقاقات إخوان الجزائر حدث ولا حرج حيث انقسموا إلى أحزاب شتى.
ومع ذلك، فمشكل هذا التيار ليس تنظيميا رغم أن هذا الجانب من الأزمة هو الذي يطفو على السطح كثيرا وسريعا لأنه يؤكد أن مشاكل التيار الإخواني أخلاقية قبل كل شيء، كما يؤكد أن هذه التيارات لم تعد لقياداتها تلك الكاريزما التي باستطاعتها أسر القاعدة لدرجة تتغاضى معها عن زلات القيادة. إنهم يتصارعون على السلطة والمصالح والمواقع والمال والولاءات، وهذا الصراع لم يعد يقتصر على القيادات الوسيطة ولكنه انتقل إلى أعلى مستويات القيادة بينما غالبية الصف تجنح نحو العاطفة والتفسير البسيط والسطحي بسبب مفعول الخطاب الوعظي والإرشادي وإغراقه في المثاليات. وهذه المرة كانت الاصطفافات أوضح وسط إخوان الخارج بين تيار انجلترا وتيار اسطنبول/الدوحة. يستنزف الإخوان رصيدهم بسرعة قياسية وتساهم أسباب الصراعات في فضح المخفي عن القواعد وعن الجمهور طيلة عقود من الزمن.
من حسنات ما يسمى “الربيع العربي” أنه سرع ظهور حقيقة هذه التيارات، وكشف محدودية تيارات الإسلام السياسي، وفضح انتهازيتها، وعرى عدم واقعية برامجها، وفضح افتقادها لمنظرين ومفكرين ومثقفين. تتقن هذه التيارات تسويق الوهم وخلق الآمال الزائفة ورفع سقف الانتظارات الشعبية، وتستعمل جمهورها وتوظف مظلوميتها وتستغل الارتباط الشعبي بالتدين للوصول إلى السلطة، ثم تتراجع عن كل وعودها وتتخلى عن طهرانيتها المزيفة فتصبح مثل غيرها تستبيح كل شيء لتحقيق استمراريتها وحفاظها على مواقع السلطة وامتيازاتها.
أكبر مكسب تحقق في العشرية الأخيرة هو نهاية هذا الأسلوب في تدبير الصراع السياسي، حيث صارت الشعوب العربية مقتنعة أن الفاعل السياسي الإسلامي لا قيمة مضافة له إلا استغلال الدين المشترك بين المسلمين لخدمة مصالح حزبية والتنكر له بعد ذلك.
في هذا السياق ينبغي إدراج هزيمة العدالة والتنمية في المغرب. نال ثقة المغاربة لولايتين وقاد الحكومة وكانت أمامه فرصة من ذهب ليقدم بديلا في مستوى الآمال التي سوقها عن نفسه، ولكن كانت حصيلته كارثية على المغرب والمغاربة، فكان التصويت العقابي عليه من أنصاره أكثر من غيرهم، وهذا ما يفسر النتائج الكارثية التي حققها.
هزيمة العدالة والتنمية ليست هزيمة انتخابية عابرة وعادية، وهي أكبر من هزيمة معرضةٌ لها كل القوى السياسية لأنها جزء من اللعبة الانتخابية والديمقراطية. إنها هزيمة خيار وبرنامج ومنهج وأسلوب للعمل السياسي، وهي هزيمة لخطاب ولأخلاقيات حركة كانت تتصور نفسها بديلا فاتضح بعد عقد من الزمن أنها لم تنتج حزبا متماسكا تنظيميا، ولم تنتج قيادة مختلفة عن غيرها من الأحزاب، ولم تقدم بدائل عملية من شأنها تحقيق تقدم للمغرب وتحسن في مؤشرات عيش المغاربة. ولذلك يلزم الحزب تجنب الاختزال وتصور أن مجرد مؤتمر استثنائي ذو طبيعة تنظيمية يغير القيادة الحالية كاف لتجاوز أعطاب الحزب. يلزم الحزبَ الدخولَ في مراجعات فكرية عميقة لأن أعطابه بنيوية، ويلزمه تحقيق الوضوح الكافي في أطروحاته وتحقيق القطائع اللازمة مع كل الماضي، ويلزمه فهم طبيعة المغرب وخصوصياته وتجنب منطق الإسقاطات المشرقية. لا يمكن للمغرب أن يكون مصر ولا تركيا ولا ماليزيا. المغرب هو المغرب فقط و لا شيء غير ذلك. ولا يمكن لمغرب تشكل عبر قرون أن يتكيف مع حركة عمرها عقود قليلة. لا تستقيم هذه المعادلة نهائيا. وللنجاح في هذا الورش العدالة والتنمية في حاجة إلى ما لا يقل عن عقد من الزمن للنجاح في ورش المراجعات الفكرية، وتعميمها كثقافة سياسية على كل أعضاء الحزب، وأجرأتها في برامج واقعية تناسب الواقع المغربي، وتكوين قيادات جديدة قادرة على تمثل هذه المراجعات في خطابها وسلوكها، وإقناع باقي شركاء الوطن بأن الحزب جزء من الوطن ومقتنع فعلا لا قولا ب”المشاركة لا المغالبة”. فهل سيسير العدالة والتنمية في هذا الاتجاه؟
للأسف، كل ما يَرشَح من داخل الحزب لا يدعو إلى التفاؤل لأن التقاطب داخل الحزب يتخذ منحى صراع على المواقع ويستغرق الجهد كله في التكتيك عوض مراجعة الاستراتيجية. والأهم أن الواقعية لا تُستحضر في تفسيرات الحزب حيث ما يزال الكثير من أبنائه يغلبون نظرية المؤامرة والاستهداف للتغطية على الفشل والهزيمة. وهذه كلها مقدمات ستقود إلى إعادة تكرار التجربة نفسها بوجوه جديدة هذه المرة. ولن يكون بعدها بمستطاع الحزب مخاطبة المغاربة من جديد ونيل ثقتهم مرة أخرى كما كان سابقا.
حزب العدالة والتنمية مطالب بمصارحة نفسه بالإجابة عن سؤال حقيقي: لو لم يكن هناك سياق استثنائي هل كان سينال ثقة المغاربة؟ وما الذي كان ينقصه حينها؟ وإن نال ثقة المغاربة ما سبب فشله التدبيري خلال الولايتين السابقتين؟
ونحن نتحدث عن الفشل التدبيري لتيارات الإسلام السياسي لا يسع أبو وائل إلا تذكر حال تونس وما جناه عليها هذا التيار كذلك.
رغم الصيت الواسع الذي كان يتمتع به الغنوشي قبل 2011، ورغم تقديمه كمفكر ومنظر فشل الغنوشي وحركة النهضة في إنقاذ تونس ولم يقدموا لها الوصفة المناسبة، أو بتعبير الغنوشي، الذي لم يستعمله على نفسه، لم تكن النهضة هي “العصفور النادر” الذي تحتاجه تونس، فأغرقت البلاد في أزمة اقتصادية واجتماعية أسوأ مما كانت عليه، وأنتجت دستورا يشرعن لنظام سياسي هجين ضعيف كان هو محصلة توافقات هشة بين تيارات لا امتدادات شعبية لها. كان قدر التونسيين عقدا من الزمن من تجريب هذا النظام فكانت الحصيلة نظام سياسي برؤوس ثلاثة متنافرة وكأن هذه وصفة لدولة طائفية والكل يعلم طبيعة تونس وشعبها المتنوع دون أن يصل ذلك إلى حد الطائفية. مرة أخرى اكتشف أنصار تيار الإسلام السياسي قبل غيرهم محدودية قيادات هذا التيار على تحليل الواقع وحسن معالجة مشاكله، وكانت الصدمة هذه المرة أكبر من تونس مع التصاق الغنوشي بالكرسي وقد بلغ من العمر عتيا وهو الذي وعد عند دخوله تونس عام 2011 بأن لا يتحمل أي مسؤولية. واكتشفوا حرص عبد الفتاح مورو الطاعن في السن على الترشح للرئاسة كذلك. وكل هذا يذكرني بأحد كبار مفكري هذا التيار حسن الترابي الذي لم يفلح إلا في الانقلابات التي مزقت السودان ونخرت قواه وقطعت أوصاله. وغير بعيد عن المغرب، يمكن الإشارة إلى تساقط منظومة عبد السلام ياسين وأحلام اليقظة التي ظلت تساوره بقومة لم يعشها وقد كان دائم التبشير بها، وهو الذي دخل في انتكاسة بعد 2006 ظل باقي عمره يبررها بالخطأ في تأويل الرؤيا، أو بسذاجة أتباعه أو استعجال النصر الذي لن يأتي. خطأ ياسين كان مثاليته وتصوره أنه قادر على مناطحة الملكية العريقة في المغرب والضاربة جذورها في ترابه وقد تصور أن بيده العصا السحرية باشتراطه ميثاقا إسلاميا للتلاقي مع مخالفيه وكأن شركاءه كفار، ثم ما لبث أن حوله إلى ميثاق وطني. ومن يدري كيف سيؤول الأمر بعد خلفائه.
العمر الطويل لهذا التيار وتوسعه العددي والدولي لم يقابل بمراجعات فكرية حقيقية وتجديد فكري وغلب على قيادات التيار الإنتاج التنظيمي والتقليد الفكري واجترار الماضي والجمود على الموروث ولم يبرز من داخله مفكرون، بل كان كل من يفكر يطرد، وصارت تنظيمات هذا التيار عدوة الثقافة والإبداع والاجتهاد.