الخميس 9 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد أكدال: التدبير التشاركي في العمل الجماعي.. واقع الممارسة وصعوبات التنزيل

سعيد أكدال: التدبير التشاركي في العمل الجماعي.. واقع الممارسة وصعوبات التنزيل سعيد أكدال

بعد مرور 45 سنة من الانتقال الديمقراطي بالمغرب لا يزال البعد التشاركي مغيبا في التدبير الجماعي. فبالرغم من التأسيس للإطار القانوني المنظم له وبالرغم من التعديلات المتوالية للنصوص القانونية للعمل الجماعي، تؤكد لنا الحقيقة الواقعية والملامسة الميدانية أن مبدأ التشارك في تدبير شؤون الجماعات الترابية المغربية يشار إليه فقط في النصوص ولا يتجسد في الممارسات اليومية للعمل الجماعي.

 

فلا جدال أن وثيقة الدستور تنص على مبدأ التشارك فيما يتعلق بالشأن العام، كما تضع له الإطار القانوني وتحدد آلياته وتبين شكليات ممارسته. هذا علاوة على أن القوانين التنظيمية للمؤسسات الترابية (مجالس الجهات والأقاليم والجماعات) تشير إلى الديمقراطية التشاركية وتوضح طرق تنزيلها. لكن الواقع الفعلي يبرهن على غياب المشاركة الفعلية للمجتمع المدني في تدبير الشؤون المحلية وذلك لوجود مجموعة من المثبطات التي تحول دون الوصول إلى التجسيد الميداني لمبدأ التشارك.

 

فمنذ بداية القرن 21م أخذت تظهر للوجود الإشارات الأولى لمسألة الديمقراطية التشاركية. وقد كان للربيع العربي وما رافقه من تحولات فكرية واجتماعية الفضل في التنصيص القانوني على البعد التشاركي في تدبير الشأن العام.

 

وقد توفرت العديد من القراءات والكتابات في الموضوع، ولكننا لن نعيد تكرار ذلك الخطاب التنظيري نفسه. وسنقف عند الواقع المعاش لمسألة التدبير التشاركي بالمغرب.

 

فمن خلال الممارسة اليومية للعمل الجماعي يتأكد غياب الإرادة الفعلية لدى الأجهزة المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي وذلك لعدة اعتبارات.

 

فإحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور الرامية إلى تيسير مساهمة المواطنين والمواطنات وكل فعاليات المجتمع المدني في إعداد برامج العمل وتتبعها يمثل مصدر إزعاج بالنسبة للأجهزة المنتخبة وينظر إليه على أنه سبب من أسباب تعطيل وعرقلة للعمل الجماعي.

 

فكثيرا ما تنبثق أجهزة مجالس الجماعات الترابية عن أغلبية سياسية، وهذه الأجهزة تكون لها توجهات إيديولوجية معينة يتم وفقها تدبير الشأن المحلي، وكل ما يتعارض مع التوجهات السياسية والإيديولوجية للجهاز المسير يكون مصيره الرفض.

 

وهذا ما يلاحظ في الكثير من الحالات التي تمنع التواصل بين المجلس المنتخب وفعاليات المجتمع المدني.  فمثلا تتعرض بعض الجمعيات داخل جماعة ترابية إلى التهميش والإقصاء بسبب وجهات نظرها ومقترحاتها التي لها مرجعيات إيديولوجية وأهداف مخالفة لتلك التي يتبناها المجلس الجماعي.

 

وهذه هي إحدى المعوقات التي يصعب معها إرساء أسس التواصل والحوار والتشاور ولا تساعد على تحقيق ديمقراطية تشاركية تسمح للمجتمع المدني بالمشاركة الفعلية في تدبير الشأن المحلي.

 

والحقيقة أن العمل الجماعي الموجه لخدمة المواطن يجب أن يكون في منأى عن السياسة. فالتوجهات الإيديولوجية والسياسية لا يجب أن تكون حاضرة في تدبير الشأن المحلي. ونعتقد أن العمل الجماعي يجب أن لا يكون سياسيا وإنما عملا يتصف بالحياد ويتميز بتدبير الأمور دونما أي انحياز لأي تيار أو توجه.

 

فمن المتعارف عليه أن التوجهات السياسية والإيديولوجية يجب أن تكون حاضرة في القضايا البرلمانية وحينما يتعلق الأمر بالتشريعات والبرامج الحكومية العامة التي تهم مجموع المملكة.

 

ومع الأسف أن البعد السياسي أو الحزبي في العمل الجماعي يشكل عائقا أمام التواصل بين المجالس المنتخبة والمجتمع المدني، وهو ما يتعارض مع فكر التدبير التشاركي الذي يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

 

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن واقع المجتمع المدني المغربي يبين أن العمل الجمعوي يحتاج إلى إعادة نظر. إذ إن ما نعيشه اليوم هو أن أغلبية الجمعيات الفاعلة بالرغم من تنصيص قوانينها الأساسية على عدم الخوض في المسائل السياسية والحزبية والنقابية، فإن ممارساتها الفعلية تبرهن على تبنيها لخطوط إيديولوجية وسياسية، بل إن الكثير من الجمعيات تؤسس تحت رعاية بعض الهيئات السياسية وبدعم منها.

 

وواقع العمل الجمعوي هذا لا يسمح بتحقيق التدبير التشاركي وذلك لوجود تناقضات وتعارض عظيم من حيث المرجعيات بين المجالس المنتخبة وجمعيات المجتمع المدني. لذلك، كثيرا ما انتهجت المجالس المنتخبة سياسة التجاهل أو التراخي في التعامل مع مسألة التدبير التشاركي. وعوض أن يعيش العمل الجماعي المغربي سيادة جو الحوار والتشاور، نلاحظه يعاني من مشكل التطاحنات والصراعات بين المجالس المنتخبة وفعاليات المجتمع المدني والتي تتجلى في أوضح صورها خلال عقد الجلسات العامة للجماعات الترابية. وقد أطلعتنا الجرائد الوطنية ووسائل التواصل الاجتماعي عن العديد من الحالات التي تم فيها توقف أشغال دورات بعض المجالس وخاصة تلك المتعلقة بدراسة وثيقة الميزانية بسبب احتجاجات واعتراضات المجتمع المدني.

 

ولهذه الأسباب كلها يظل التدبير التشاركي بعيدا عن التحقيق ويبقى عبارة عن نص قانوني لا أقل ولا أكثر.

 

إن هذا الواقع الذي يعيشه تدبير الشأن المحلي من خلال تغييب البعد التشاركي، يقتضي ابتكار أساليب تسمح بمشاركة المجتمع المدني في تدبير شؤونه المحلية بعيدا عن كل المؤثرات السياسية والإيديولوجية. ولعل الأسلوب المعتمد من خلال ما يسمى "بالبحث العمومي" وخصوصا فيما يتعلق بقطاع التعمير، يعتبر الأسلوب الأمثل الذي يمكن من تحقيق التدبير التشاركي.  فالمادة 25 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير تنص على أن مشروع تصميم التهيئة يقتضي إجراء بحث عمومي يفتح أمام المواطنين طيلة شهر كامل للاطلاع على المشروع وإبداء ملاحظاتهم التي يجب على المجالس الجماعية المنتخبة دراستها واعتماد الخلاصات المستنتجة في التعديلات الممكنة قبل وضع تصميم التهيئة النهائي.

 

ألا يمكن إذن نهج الأسلوب نفسه بالنسبة لوضع ميزانية المجالس الجماعية ووضع مخططات التنمية وبرامج الأنشطة الاجتماعية والثقافية؟

ألا يمكن التنصيص قانونيا على تنظيم جلسات حوار وتشاور بين المجالس الجماعية وفعاليات المجتمع المدني لتقديم حصيلة العمل الجماعي السنوي وعرض الخطوات المستقبلية المزمع القيام بها؟                             

خلاصة القول إن التجربة الجماعية بالمغرب أبانت عن صعوبات جمة فيما يتعلق بتفعيل الآليات التشاركية للحوار والتشاور، وهو الأمر الذي بات اليوم يستدعي الانكباب على معالجة هذا الواقع وبالتالي تيسير السبيل لتحقيق حكامة جيدة حدد إطارها القانوني ومبادئها وقواعدها ميثاق المرافق العمومية. وهو ميثاق حديث العهد ينتظر التفعيل الحقيقي (القانون رقم 54.19).