الاثنين 24 يناير 2022
سياسة

المراكشي: قرار محكمة العدل الأوروبية ضد المغرب لولا الضوء الأخضر من فرنسا وألمانيا ما كان سيرى النور

المراكشي: قرار محكمة العدل الأوروبية ضد المغرب لولا الضوء الأخضر من فرنسا وألمانيا ما كان سيرى النور ابراهيم المراكشي
في هذا الحوار مع ابراهيم المراكشي، أستاذ بكلية الحقوق بطنجة، يتحدث عن خلفيات قرار المحكمة الأوروبية بشأن إلغاء اتفاقيتي الفلاحة والصيد البحري مع المغرب، معتبرا أن الأوروبيين قلقون من ازدياد نفوذ أمريكا في الصحراء، ولا يعلمون ماهية المشاريع الأمريكية المخططة بالمنطقة، رغم أن الجميع يجمعهم حضن واحد، ألا وهو حلف الناتو، لكن في لغة المصالح تنتفي التحالفات، ليصبح منطق الأقوى هو السائد.
 
ما هي القراءة الأولية لمضمون قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير؟

مضمون القرار يتمثل في إلغاء العمل باتفاقيتين تجاريتين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وقد ارتكزت المحكمة في تعليلها لقرارها على أساس أنهما، أي الاتفاقيتين، تشملان منتجات قادمة من «الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المملكة وجبهة بوليساريو». قرار المحكمة الأوروبية لم يأت من فراغ، وإنما استنادا إلى دعوى تقدمت بها جبهة بوليساريو، تطالب فيها إلغاء قرارات مجلس الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالاتفاقيتين السالفتي الذكر، ما دامت المنطقة محل نزاع، وأدرجت على طاولة الجمعية العامة للأمم المتحدة كقضية تصفية استعمار. وفي هذا الإطار، يبدو أن الجبهة الانفصالية قد حققت «انتصارا» رمزيا ومعنويا، لن يغير في شيء من الواقع الذي فرضه المغرب، باعتبار الصحراء جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني. ويبدو أيضا أن مصالح الجبهة الانفصالية قد تقاطعت مع مصالح بعض الدول الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا، وبدرجة أقل إسبانيا، الذين انزعجوا من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. الإسبان منقسمون بخصوص هذا القرار. فاللوبي الفلاحي معه، يؤيده، ولوبي الصيد البحري ضده، يعارضه.
 
نعود لنقول إن الأوروبيين قلقون من ازدياد نفوذ أمريكا في الصحراء، ولا يعلمون ماهية المشاريع الأمريكية المخططة بالمنطقة، رغم أن الجميع يجمعهم حضن واحد، ألا وهو حلف الناتو. لكن في لغة المصالح تنتفي التحالفات، ليصبح منطق الأقوى هو السائد. لنستحضر في هذا السياق الصفعات التي تعرضت لها فرنسا بخصوص أزمة الغواصات مع أستراليا، وأزمة طائرات «رافال» مع سويسرا.

هذا القرار الصادر عن محكمة العدل الأوروبية، لولا الضوء الأخضر من فرنسا وألمانيا، ما كان سيرى النور. الرسالة واضحة للمغرب: «لا تذهب بعيدا، حضنك الطبيعي هو الاتحاد الأوروبي». وأنا على يقين أن هاتين الدولتين لا يهمهما في شيء الحقوق أو المطالب «الوهمية» لجبهة البوليساريو، بقدر ما يهمهما توظيف هذا الملف كورقة ضغط على المغرب. حاليا من مصلحة فرنسا وألمانيا أن يعود الصراع حول الصحراء إلى نقطة الصفر.
 
هل تتوفر «البوليساريو» على الصفة لتنتصب طرفا أمام المحاكم الأوروبية؟

153.84قبل أن نجيب عن هذا السؤال دعني أوضح طبيعة اختصاص محكمة العدل الأوروبية، والتي تعد أعلى هيئة قضائية للاتحاد الأوروبي. باختصار شديد هذه الهيئة القضائية بالنظر في القضايا المتعلقة بمدى التزام الدول الاتحاد بالقوانين والحقوق الأوروبية عند التوقيع على الاتفاقات والمعاهدات التي يبرمها الاتحاد مع الجهات الأخرى، كما تقوم بضمان فرز وتوحيد القوانين الأوروبية الواجبة التطبيق.

يجوز لأي مواطن أوروبي إقامة دعوى أمامها ما دام الأمر يتعلق بتصرف قانوني يؤثر عليه، ولها كذلك صلاحية النظر في الطعون المقدمة من طرف البرلمان الأوروبي ومجلس المحاسبة والبنك المركزي الأوروبي، والطعون التي يتقدم بها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون، وجبهة البوليساريو تندرج ضمن هذه الفئة الأخيرة. لا ننسى أن هذه الجبهة مايزال معترفا بها من طرف العديد من الدول كممثل للشعب «الصحراوي»، في مقابل سحب العديد من الدول الأخرى لهذا الاعتراف.
 
هل توجد قواعد قانونية في القانون الأوروبي والدولي أو في الاجتهاد القضائي تؤيد منطوق القرار ونتيجته؟
 
 لا بد أن نشير إلى أنه رغم الطابع القضائي لهذه الهيئة، فإنها تصدر في العديد من القضايا قرارات تكتسي طابعا سياسيا مثيرا للجدل، كالقرار الذي أصدرته سنة 2014 برفع اسم حركة حماس من قائمة المنظمات الإرهابية الخاصة بالاتحاد الأوروبي. بخصوص قرارها الأخير المتعلق بالصحراء المغربية الأمر لا يشكل سابقة، فقد سبق وأن ناوشت الجبهة الانفصالية المغرب بالمحاكم الأوروبية، واستطاعت إصدار بعض القرارات التي «تدين» المغرب،  هي قرارات تظل رمزية من الناحية السياسية، وهذا القرار الأخير بدوره هو حكم استئنافي للحكم الابتدائي الذي أصدرته الهيئة سنة 2015.
 
هل توجد إمكانيات إلغائه؟

بل يمكن استئنافه بغية إلغائه، وهذا الباب يظل مفتوحا أمام المغرب يمكن سلكه، وسيسلكه في القادم من الأيام. ينبغي أن ترافق ذلك حملة إعلامية قوية يقوم بها المغرب لشرح وجهة نظره، وضغطا قويا من طرف اللوبيات الأوروبية المساندة له. في نهاية المطاف محكمة العدل الأوروبية في مثل هذه القضايا قرارات سياسية بغطاء قانوني. الأمر له طابع سياسي صرف، يحل سياسيا بين الدول، وفي حالة فشل السياسة، عندئذ يتم إصدار مثل هذه القرارات للحصول على وضع متقدم في المفاوضات المقبلة. إن قضاة هذه الهيئة غير مستقلين، بل يتم تعيينهم من طرف دول الاتحاد الأوروبي.
 
هل يمكن أن يؤثر القرار على اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟

البلاغ المشترك بين المغرب والاتحاد الأوروبي واضح في هذا الإطار، ومضمونه مواصلة التعبئة والتعاون بينهما للدفاع عن السلامة القانونية لاتفاقيات الشراكة القائمة بينهما. أي أن الاتحاد الأوروبي لن يذهب بعيدا في تنزيل قرار المحكمة، خاصة وأن هناك مصالح اقتصادية مهمة متبادلة، وشركات أوروبية، تحديدا فرنسية وإسبانية تستفيد من الاتفاقيتين، ولها لوبيات قوية ببروكسيل، ولن تسمح بأي ضرر في مصالحها الحيوية.

قانونيا قرار المحكمة لن يدخل حيز النفاذ إلا بعد شهرين من صدوره، وسيتوقف التنفيذ إلى حين إن استأنفه المغرب.
في نهاية المطاف ستنتصر لغة المصالح على أية لغة أخرى. من وجهة نظري القرار الأخير للمحكمة الأوروبية ما هو سوى مجرد «قرصة» أذن للمغرب لكي يعود إلى رشده الأوروبي، ولكي يصبح موقفه أكثر مرونة فيما يخص بعض المصالح الأوروبية. إنها لعبة قديمة اعتاد عليها المغرب في إطار يحكمه تبادل المصالح. وأما «الانتصار» المزعوم الذي تهلل به الجبهة الانفصالية سيظل حبرا على ورق. علينا أن نكون على يقين أن تحرك البوليساريو بمحكمة العدل الأوروبية لم يكن ليحصل لولا الضوء الأخضر من المؤسسة العسكرية الحاكمة الفعلية بالجزائر. هذا القرار الأخير يعكس مرة أخرى، ويؤكد تناقضات هذا النزاع، وعنوانها الأبرز هو أن المغرب أخذ التراب، فهو فوق أراضيه، يمارس سيادته، أما الجزائر فأخذت الشعارات.
المغرب ماض في ثبات في حسم الملف نهائيا لصالحه، دون إراقة قطرة دم واحد. إنها دبلوماسية ناعمة، أحيانا تكون شرسة، تعتمد على عنصر المفاجأة. لذلك انتظروا رد فعل سريع من المغرب سيعيد الجبهة الانفصالية إلى حقيقة وضعها المأزوم.
 
ابراهيم المراكشي/ أستاذ بكلية الحقوق بطنجة