الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

محمود التكني: العلاقات المغربية الجزائرية.. والنفق المظلم

محمود التكني: العلاقات المغربية الجزائرية.. والنفق المظلم محمود التكني
عرفت العلاقات المغربية الجزائرية  توترا مطردا منذ ستينيات القرن الماضي، ولا داعي للنبش من جديد في هذا الملف لأنه أسال الكثير من المداد ليظل التاريخ شاهدا على حسن نوايا المغرب، انتهاء بالدعوة الأخيرة لإعادة علاقات البلدين إلى مسارها الطبيعي، وهذا ليس جبنا أو توددا بقدر ما هو تعبير عن نية الحفاظ على حسن الجوار وذلك طبع دولة ضاربة في الحضارة و قيم الأيادي الممدودة، أما  الخطوات التي أقدمت عليها الجزائر مؤخرا من قطع علاقتها الدبلوماسية مع المغرب ثم غلق أجوائها في وجه الطيران المدني والحربي المغربي فتبقى قرارات سيادية تخصها وحدها ليس إلا، ولا تهمنا نحن المغاربة في أي شيء ما دامت لا تنتهك سيادة أراضينا أو أجوائنا أو مياهنا الإقليمية. وإذا كانت الجارة الشرقية تتوجس من التقارب الأمريكي المغربي وكذا البريطاني، وتتوجس حاليا من عودة العلاقات الإسبانية المغربية إلى صفائها بعد الشرخ الذي أحدثته أزمة بن بطوش، ناهيك عن إعادة احياء العلاقات المغربية الاسرائيلية، فإن هذه الجارة  لا تخفي تخوفها من هذا التقارب و تعتبر هذه المكاسب الديبلوماسية الجديدة تهديدا لأمنها الداخلي و سببا في عزلتها الإقليمية و الدولية، مقابل ذلك يبقى المغرب واثقا في قراراته السيادية والسياسية ومصمما على تنزيل مشاريعه التنموية على جميع الأصعدة.
وإذا كان  المغرب من بين الدول التي تدعم تقرير مصير جمهورية القبائل، هذا الدعم المغربي  الذي رأت فيه الجزائر عملا عدائيا ضد وحدتها الوطنية، فلماذا تتناسى أنها دعمت هذا الطرح في ملف الصحراء منذ 1976 دون أن تعاتبها المملكة على ذلك، بل تشبثت بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة واقترحت الحكم الذاتي كحل واقعي لحل أزمة هذا النزاع الذي عمر طويلا فأنهك خيرات الجارة الشرقية، في حين كان بالنسبة للمغرب حافزا على التحدي و التنمية والإعمار بإرادة صلبة لا تعرف الوهن وسواعد لا يصيبها الكلل أو السقم .
في ظل هذه التطورات على الجزائرأن تعي  أن أي تهور من جهتها أو أي محاولة منها لزعزعة الأمن الاقليمي  سيتم التعامل معه بالحزم المعهود في المغرب، فالتاريخ لا ينسى، و خير مثال حرب الرمال التي خلفت عقدة نفسية لدى النظام الجزائري منذ ان توغلت قواتنا المسلحة حتى  تخوم تندوف، حينها  أصدر المرحوم الحسن الثاني أوامره للقوات المغربية بالتراجع بعد أن لقنت للآلة العسكرية الجزائرية درسا لن تنساه. والحالة هذه أن المغرب واع تمام الوعي بما يفكر فيه جينرالات المرادية الذين يبحثون بإلحاح عن أي قشة ولو كانت حربا لتأكيد أطروحتها المشروخة في أن الخطر الوحيد الذي يتهدد الجزائر هو المغرب، ومن هنا تحاول أن تضفي المشروعية على عقيدة العداء التاريخي لمصالح المغرب ووحدة أراضيه.
إن ما عرفه المغرب من تنمية و ازدهار وبناء  لدولة  المؤسسات  وسن ترسانة قانونية واضحة ودستور يقنن حياة الأفراد و الجماعات، فهذا لا يدع للشك أي مكان في التقدم العسكري الذي واكب هذه المنجزات تحت القيادة الرشيدة للمرحوم الملك الحسن الثاني و جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده، ليظل المغرب على الرغم من جاهزيته الأمنية ينهج سياسة اليد المبسوطة للحوار وسياسة ضبط النفس في التعامل مع الازمات الإقليمية و الدولية، علما منه أن دوافع القرارات الجزائرية الأخيرة ماهي إلا نتاج لسحب البساط من تحتها في قضية الصحراء المغربية لأنها أصبحت متأكدة اكثر من ذي قبل أن حلحلة الملف اصبح قاب قوسين او أدنى. وهذا سيضع نظام العسكر لا محالة أمام المساءلة الشعبية حول هدر ملايير الدولارات من أجل حلم ظل يولي وجهه لقبلة الحرب الباردة ليتبدد أخيرا في الهواء، بهذا فعقلية العسكر تواقة لإيجاد شماعة تعلق عليها فشل سياستها التي أوقفت عجلة التطور في البلاد، فحكام قصر المرادية يعلمون علم اليقين تكلفة الحرب ونتائجها، والمراد من هذه الحملة الهوجاء هو أن يقوم المغرب بردة فعل ما، إلا أن هذا الاخير اختار أن يلتزم صمتا مطبقا ليزيد من سعار النظام الجزائري الذي يسعى الآن من أجل وساطة فقط للحفاظ على ماء الوجه، و ما دام هذا الأمر نفسه محل شك
فلا  يبقى أمام الجزائر أي اختيارآخر للخروج من المأزق سوى المواجهة، ومرحبا بها إن قدر الله.
 
محمود التكني/ أستاذ التعليم العالي بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس