الخميس 2 ديسمبر 2021
فن وثقافة

"مدارات" التهاني تروي بعضا من ملامح شعر وسيرة شاعر الحمراء

"مدارات" التهاني تروي بعضا من ملامح شعر وسيرة شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم شاعر الحمراء

بثت الإذاعة الوطنية، ليلة الجمعة 10 شتنبر 2021، حلقة جديدة من البرنامج الأدبي "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الإعلامي عبد الإله التهاني، استعرض خلالها لمحات من حياة وشعر المرحوم محمد بن إبراهيم، المعروف بلقب شاعر الحمراء، الذي عاش مجدا أدبيا كأحد أبرز وجوه الحركة الأدبية المغربية، خلال فترة الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين؛ وذلك عبر تقديم إضاءات عن ديوانه "روض الزيتون"، الذي صدر في جزأين بإشراف الباحث الدكتور أحمد شوقي بنبين، مدير الخزانة الحسنية بالرباط، بعد جهد طويل بذله في جمع تراث هذا الشاعر، وضبطه وتنسيقه والتعليق عليه.

 

ملامح من ديوان "روض الزيتون"

أكد الزميل عبد الإله التهاني عن هذا الشاعر بأنه  "قد لا يكون أحدا من شعراء مراكش كُتِبَ له الشهرة مثل ما عُرِفَ عن  محمد بن إبراهيم الذي عرف بلقب شاعر الحمراء ، حتى إن هذا اللقب قد غطى على اسمه الأصلي"... كانت ولادته سنة 1897 (وفي رواية أخرى سنة 1900)، وفارق الحياة سنة 1954...

 

وحسب ورقة معد ومقدم البرنامج، "فقد توسم فيه والده أن يكون فقيها وعالما، بعد أن تحصلت لديه العديد من معارف أصول الفقه والعقيدة"، إلا أن بوصلة محمد بن إبراهيم "مالت نحو الأدب وتحديدا باتجاه الشعر، رغم ما تلقاه من تربية وتكوين في علوم الفقه والعقيدة". هكذا يقول التهاني "سيجرفه تيار الشعر، حيث سيجعل من قول الشعر حرفته اليومية، سواء في مجلس أو ناد أو خلال لقاء عابر".

على المستوى المهني لشاعر الحمراء أشار صاحب البرنامج إلى أنه "تولى التدريس بالكلية، وبعد ذلك تم تعيينه بإدارة محكمة مراكش، لكنه لم يكن مهيئا لأي عمل نظامي بكيفية منتظمة، فكان أن تم إلحاقه للعمل بإدارة باشا مراكش التهامي لكلاوي، الذي خصه بمكانة مميزة، بعد أن ظل شاعره المفضل ومادحه الأول، وهو ما سيشوش على صورته لدى النخبة المراكشية، لاسيما بعد اشتداد صراعها السياسي مع الكلاوي،  كبير باشوات المغرب ، في سياق   انخراطها في معارك  الدفاع عن استقلال المغرب كمثيلاتها في باقي مدن المغرب".

وأضاف التهاني أن محمد بن إبراهيم "كان شاعرا غزير الإنتاج، وأنه كان ينظم بيتا أو اثنين أو ثلاثة باستمرار، حتى كاد يكون ذلك سلوكا يوميا لديه". ورغم أن جزءا من أشعاره "نشرت في بعض الصحف المغربية خلال فترات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، إلا أن أغلب شعره ظل مشتتا هنا وهناك إلى أن امتدت إليه الايادي البيضاء،  للملك المغفور له الحسن الثاني، الذي أمر في سنة 1968، بجمع ديوانه وتحقيقه، وعين لهذا الغرض لجنة ضمت ثلة من رجال العلم والأدب،  بذلت قصارى جهودها في جمع وتحقيق ما توفر لها من شتات أشعاره المتناثرة".

وكانت هذه اللجنة الأدبية قد رتبت الديوان على أساس الموضوعات، إذ حصرتها في 14 موضوعا وبعض المتفرقات، وتم حفظ الديوان على شكل مخطوط ضمن محفوظات الخزانة الحسنية.

ولاحقا ستناط بالباحث الدكتور أحمد شوقي بنبين، مدير الخزانة الحسنية بالرباط،  مهمة إعادة مراجعة المخطوط ، بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أعطى توجيهاته بطبع الديوان.  وهو ما سيتم "بعد جهد طويل بذله الدكتور أحمد شوقي بنبين، في جمع تراث هذا الشاعر، وضبطه وتنسيقه والتعليق عليه، بلغة دقيقة ورصينة ، ومنهج توخى الضبط والتمحيص، وإزالة ما نسب للشاعر عن طريق الخطأ، مستعينا بالحجة والدليل.."

ووفق ما ورد في هذه الحلقة، فقد ازدان تحقيق ديوان شاعر الحمراء بالشروحات والتعاليق والهوامش، والشرح والتعريف بالأعلام الذين ورد ذكرهم في قصائد شاعر الحمراء، وكذا التعريف بالأماكن والأحداث.

ووصف عبدالإله التهاني هذا الجهد الأدبي، الذي قام به البحاثة الأستاذ شوقي بنبين بأنه كان جديرا: "أن يتم تتويجه بصدور ديوان (روض الزيتون) لشاعر الحمراء بعد 50 سنة على وفاته. ثم صدرت طبعة ثانية من الديوان سنة 2002 في جزأين، ضمنها 6 خواطر نثرية، و10 صفحات خصصها الدكتور المحقق أحمد شوقي بنبين، وفهارس مرتبة حسب التسلسل الأبجدي.

وقد ضم الديوان 316 قصيدة تراوحت بين الطويلة والقصيرة. كما ضم بين دفتيه 202 قصيدة، تراوحت بين بيت واحد أو بيتين أو ثلاثة أبيات، و17 قصيدة مشكوك في نسبتها إلى الشاعر خصص لها منطقة رمادية، ليكون مجموع قصائده 518 قصيدة شعرية، علما أن مطولات الشاعر، كانت تتجاوز 60 بيتا".

وأورد صاحب البرنامج أن الأديب المؤرخ أحمد التوفيق قد كتب تصديرا جميلا لهذا الديوان، سجل فيه أن شاعر الحمراء  "كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه  أجداد من المستهترين والقلقين، والمجانين، والوصافين والمداحين، والهجائين، والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف، نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد على البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل، محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات".

 

وأورد الزميل عبد الإله التهاني أيضا، شهادة من تقديم عميد الأدب الدكتور عباس الجراري، قال فيها بأن "هذا الشاعر ارتبط اسمه بمسقط رأسه مراكش الحمراء، وإن تعدى صداه مختلف حواضر المغرب وأقطار أخرى غيره؛ في تألق دام نحواً من ثلاثة عقود، على مدى سنوات الثلاثين والأربعين والخمسين، ملأ خلالها حيزاً من ساحة الشعر وشغل الناس؛ معتبرا أنه ما زال يعتلي هذا الموقع، وإن مضى على وفاته زهاء نصف قرن. والسبب بنظره، أنه عاش فترة انتقالية غنية بالأحداث التي كانت تحفها أزمات شتى، وتناقضات متعددة، والتي تعكس لمتأملها واقع الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية و الأدبية"

وأضاف عميد الأدب المغربي قائلا في التقديم "عاش ينعم أحياناً ويشقى أخرى؛ إن لم أقل إنه كان ينعم بشقاوته ويشقى بنعمائه؛ في عبث أو لامبالاة ما أظنهما عنده إلا يخفيان موقفاً مما حوله ومن الناس، موقفا كان مقتنعاً به وعليه يسير. وكان نمط حياته يساير هذه الأحوال، ويحث مع هذه المسايرة على قول شعر ، ينم عن حس مرهف، وسرعة بديهة، ونفس متقدة وقدرة على التعبير الذي لم يكن يخلو من جودة وإبداع، ومن طرافة النظم كذلك، ولكن لأنه كان يلقي شعره وفق ما تمليه طبيعته اللامبالية ،وسلوكه العابث، وكان هذا الشعر يذيع وينتشر، تصحبه حكايا وقصص -هي على واقعتها- أقرب إلى أن تكون من نسج الخيال، مما غدا به محمد بن إبراهيم أسطورة أو يكاد".

 

وعن ظروف حياته يتضح من خلال التقديم، "أن ظروف شاعرنا المضنية دفعته إلى تناول أهم أغراض الصَّنْعَةْ الشعرية، من مدح وهجو وتشكي ترجمه إلى آلامه وأحزانه..". لذلك يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين "لقد تغييت بهذا العمل غاية نبيلة، وهي إخراج شعر شاعر الحمراء"، من مجال التندر به في المجالس ، إلى مجال البحث والدراسة والنقد .

وعن ما ميز حياة هذا الشاعر، أورد الزميل التهاني ما أتبثه الدكتور أحمد شوقي بنبين بهذا الخصوص حين أشار إلى أن "المتتبع لحياة شاعر الحمراء، والواعي بما أحاط بها في جميع مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء، غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها...".

 

وقبل أن يختم الإعلامي عبدالإله  التهاني، حلقته الأدبية عن شاعر الحمراء، قام بقراءة مختارات من قصائد ديوان "روض الزيتون" استهلها بقصيدة تحت عنوان "أودع فاس"، وأخرى من الأشعار الدينية في مدح الرسول يقول في مطلعها (عيدان عيد نبوة وجهاد)، بالإضافة إلى مقطع من قصيدة لطيفة خص بها أهل مراكش، مثنيا على خصالهم وسجاياهم.

وشنف عبد الإله التهاني المستمعات والمستمعين، بقراءة مقتطفات من قصيدة تحت عنوان "في الهوى" قال في مطلعها (أشهد أن قلبي على الهوى جليد)، وقصيدة أخرى بعنوان "العواطف" كان شاعر الحمراء قد نظمها في حفل أقامه أصدقاؤه احتفاء بشفائه من جرح، فضلا عن قصيدة أخرى في رثاء والده سنة 1930، بلغة مؤثرة جدا، وقصيدة من شعره الوطني  تحت عنوان "في العرش". كما قرأ الزميل التهاني قصيدة للشاعر، مارس فيها نقدا ذاتيا لمسار حياته، "ولام وعاتب فيها نفسه، مجاهرا بندمه عليها"، وهي بعنوان "اعترافات شاعر" قال في مطلعها: (بربك هل أبصرت أسخف من عقلي).