الاثنين 18 أكتوبر 2021
سياسة

لا تضعوا بيض الأحزاب "الفاسد" في سلّة واحدة!!

لا تضعوا بيض الأحزاب "الفاسد" في سلّة واحدة!!

جميل أن تكون بلا انتماء حزبي، وتعلن انتماءك إلى الوطن. نظام الريع المرتبط بالعمل الحكومي والبرلماني والجهوي والجماعي هو الذي فتح الباب على مصراعيه لتفريخ نخب حزبية فاسدة، هذه النخب الفاسدة بدورها تفرخ زبانيتها ومريديها، فتتشكل حلقات من الفساد من قمة الهرم الحزبي إلى أسفله. فأصبحنا نرى طبقات في هرم السلطة:

 

1- الوزراء "المنعم عليهم" الذين لا يمسس مقاعدهم إنس ولا جان، ويغيّرون حقائبهم الوزارية مثلما يغيّرون جوارب أحذيتهم، فكلما مكث الحزب طويلا وراء مقود رئاسة الحكومة، كلما ازدادت حظوظ الوزراء في الاستمتاع بدفء مقاعدهم.

2- "المؤلفة قلوبهم" الذين يغزون الدواوين الوزارية والمناصب السامية، وهم من يقومون بمعظم الأعمال "الشاقة" و"الوقحة"، ويديرون "دفّة" سفن الوزارات حسب حركات أمواج المصالح.

3- البرلمانيون والمستشارون، وهم أيضا طبقات وملل ونحل حسب درجات القرب من قلب المكتب التنفيذي أو السياسي للحزب. وهي الفئة الأكثر نشاطاً وامتصاصاً للريع، لاسيما وأن من أركان دخول "قبّة" البرلمان المرور عبر صناديق الاقتراع التشريعية أو المهنية. وقبل الوصول إلى صناديق الاقتراع لابد من الحصول على "تزكية" أو "تذكرة" من زعيم الحزب. ومعظم التزكيات "ممنوحة" لا علاقة لها بالأقدمية داخل الحزب أو التكوين السياسي أو الرصيد المعرفي أو الثقافي.

4- رؤساء الجهات وعمداء المدن والجماعات، وهم بدورهم طبقات فئوية مرتبطة بتدبير الشأن المحلي، ولها قنواتها في امتصاص الريع وتمرير الصفقات المشبوهة.

 

المثير أن جميع هذه المهام الانتدابية تتقاسم تعويضات خيالية لا تنعكس على المعيش اليومي للمواطن الذي يجد نفسه بين مطرقة القوانين التشريعية بالبرلمان وسندان الجهة والجماعة التي تقضم الميزانيات كفئران مسمومة.

 

الأحزاب هي حجر الزاوية في حالة الاحتقان الاجتماعي التي يعيشها المواطن، حتى أصبحت العقيدة الفكرية لمعظم الأحزاب، خصوصا من قادت الحكومات المتعاقبة، هي "الريع" و"الغنائم"، سواء أحزاب "اليمين" أو "الوسط" أو "اليسار". وما يضحك حدّ البكاء أنّ هذه الإيديولوجيات الحزبية تذوب بعد الإعلان عن نتائج الاقتراع. فعوض أن تتشكل الحكومة من أحزاب تنسجم في الأفكار وتتقاطع في البرنامج وتنتمي إلى العائلة السياسية نفسها، نشاهد كائناً "هلاميّاً" وحكومة "اختلاف" وليس حكومة "ائتلاف"، بدليل وجود "معارضة" داخل هذا "الائتلاف الحكومي". ما يضحك أيضا حتى يدمي الحلق هو وجود "أحزاب" وظيفتها هو إكمال "مربع" الحكومة، بمعنى أحزاب خلقت لتكون مع الجهة "الرّابحة"!!

 

إذا نظرتَ إلى هذه "العصيدة" الحزبية، وكنتَ مواطناً صالحاً تؤدي كل خمس سنوات واجبك الدستوري، وتصوّت على الأصلح، سوف تشعر بأن عدم الانتماء الحزبي في حد ذاته "نعمة"، حينها لا تصبح شبيهاً بالبغل الذي يوضع في فمه "لجام" لتحريكه في كل الاتجاهات.

أثبتت التجارب الانتخابية السابقة أن "رموز" الأحزاب التي نصوت عليها مجرد "استعارات" و"رسوم" تافهة لا تعكس بالضرورة التصور الفكري أو العقدي للحزب، فلا تعني "الوردة" صفاء الروح، ولا "الميزان" الإنصاف، ولا "الكتاب" المعقول، ولا "المصباح" طريق النور والهدى، ولا "الحمامة" التحرر والانطلاق، ولا "السنبلة" رائحة الأرض أو التراب، ولا "المحراث" الانتماء إلى الأصالة، ولا "الحصان" الشموخ.

 

الكائن الحزبي لا تنتظر منه أن يجلد حزبه المفلس سياسياً، يصوت كأعمى. أنا الذي لا أنتمي إلى أيّ حزب أختار بعقل لا يضع بيض الأحزاب الفاسد كله في سلّة واحدة، ربمّا هناك بيض مازال صالحاً ولم يفسد بعد. سأختار بعناية بيضة أو بيضتين أو ثلاث، وأرمي السلّة ببيضها الفاسد الذي يزكم الأنوف في أقرب مزبلة في الحيّ!!