الاثنين 18 أكتوبر 2021
سياسة

سالم عبد الفتاح: تكريس الخيار الديمقراطي الذي انتهجه المغرب كفيل بحسم النزاع بالصحراء

سالم عبد الفتاح: تكريس الخيار الديمقراطي الذي انتهجه المغرب كفيل بحسم النزاع بالصحراء محمد سالم عبد الفتاح
في إطار مواكبة الاستحقاقات الانتخابية الثلاث الجماعية والجهوية والتشريعية التي تجري اطوارها بالأقاليم المغربية الجنوبية، اتصلت أنفاس بالناشط الإعلامي والحقوقي الكاتب محمد سالم عبد الفتاح رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الانسان بالعيون وأجرت معه الحوار التالي الذي أوضح فيه أن تكريس الخيار الديمقراطي الذي انتهجه المغرب في العقدين الأخيرين، سيكون وحده الكفيل بضمان حسم نهائي لهذا النزاع الذي عمّر أكثر من اللازم:
 
على ضوء متابعتك لتطورات قضية الصحراء، ماهي قراءتكم للمحطة الانتخابية الجديدة بالأقاليم الجنوبية؟

أعتقد أنه ورغم بعض الملاحظات المسجلة والمتعلقة بتعاطي المواطنين والأحزاب معا إزاء العملية الانتخابية في الصحراء، من قبيل بروز نفس الأسماء التي تهيمن على المشهد السياسي منذ مدة طويلة، وتكريس الترشيحات العائلية بشكل فاضح في المحطة الأخيرة، إلى جانب توظيف المال السياسي والريع من طرف بعض المترشحين، وهي ظواهر تمارس بدرجات متفاوتة في الأقاليم الأخرى وحتى في المنطقة والجوار الإقليمي ككل، لكنها تتفاقم بشكل ملاحظ في الصحراء نتيجة طبيعة المجتمع المحلي البدوية.

لكن على العموم الاستحقاقات الانتخابية في حد ذاتها تظل سلوكا ديمقراطيا، مدنيا وحضاريا، ينبغي تثمينه وترسيخه كممارسة لتدبير الشان المحلي والتنافس عليه، خاصة وأنه ورغم كل الانتقادات المسجلة، فالملاحظ هو تمكن العديد من الأحزاب من تسجيل نسب مرتفعة من التأطير السياسي في صفوف مختلف الفئات والشرائح المجتمعية بما في ذلك فئتي النساء والشباب، وتنافسها على تقديم البرامج الانتخابية التي تستجيب لحاجيات المواطنين وتطلعاتهم، فضلا عن ترشح عديدا من  النخب المتعلمة من خريجي الجامعات ومن نشطاء المجتمع المدني، وحتى من المؤثرين الإجتماعيين، وبالتالي هناك العديد من المؤشرات الإيجابية على تغير سلوك المواطنين إزاء العملية السياسية، في انتظار أن يواكب الفاعلون السياسيون تلك التحولات، وفي غضون تمكن المجتمع المحلي تجاوز العصبيات القبلية والأهلية التي لا تزال تقوض أداء الناخبين و تشوش على اختياراتهم السياسية.
 
كنتم قد لاحظتم عبر تدوينة على موقع فيسبوك تمكن تمثيليات الأحزاب في الأقاليم الجنوبية من تأطير العديد من مناصري البوليساريو في حملاتها الدعائية، بما في ذلك من وصفتهم بـ"المزايدين المعروفين بمواقفهم المتعصبة لقيادة الجبهة والمتطرفة إزاء مخالفي البوليساريو ومعارضيها؛كيف توضحون ذلك؟
 
بالفعل لقد أشرت إلى أنه ورغم القنوات القبلية والأهلية التي قد تكون وراء تأطير الكثير من هؤلاء المناصرين  البوليساريو في عديد من  الأحزاب المغربية، لكنها فرصة لكي ينقلوا تجربتهم في الانتخابات الى البوليساريو التي تغيب فيها أي شكل من الأشكال العملية السياسية والتداول السلمي على السلطة، وأن يرافعوا عن مطلب التعددية السياسية والفكرية الغائب في الجبهة ويتقبلوا وجود آراء معارضة للقيادة ويجربوا التعايش مع مخالفيهم السياسيين.

فكما تعلم قيادة البوليساريو المعمرة باتت هي القيادة الأقدم في المعمورة، حيث تمارس مهامها السياسية منذ حوالي الخمسة عقود من الزمن، فبعضهم شارك في مؤتمر تأسيس البوليساريو سنة 1973 ولا يزال يحتل المواقع القيادية في البوليساريو إلى يوم الناس هذا، رغم الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبوها في حق الانسان الصحراوي، ورغم الفشل الذريع المسجل في أدائهم، حيث يعتمدون احتكار زعامة الجبهة  في  سياسة المؤتمرات الشعبية التي أخذوها عن القذافي، ويصادرون عبرها حقوق وحريات المواطنين الأساسية، وبالتالي فانخراط بعض أنصار البوليساريو أو المتعاطفين معها في الأحزاب المغربية وفي العملية الانتخابية، قد يساهم في تحررهم من عقلية البوليساريو المنغلقة ومن فكرها المتحجر ولربما ناضلوا داخل تنظيم البوليساريو مستقبلا لأجل دمقرطتها و فرض احتكامها إلى صناديق الإقتراع.
 
يرى المتتبعون أن الانخراط الكبير للمواطنين الصحراويين المغاربة في هذه الانتخابات هو أكبر رد على دعاة الانفصال  فما هو رأيكم؟

بالفعل أظن أن النزاع الصحراوي قد شهد تغيرات جوهرية تتعلق أساسا بمجالات الصراع التي يتنافس من خلالها الأطراف، حيث يبدو المغرب متقدما في المجال العسكري والأمني من خلال سيطرته الميدانية، وحتى في ما يتعلق بالمعارك الديبلوماسية مع المكاسب التي حققها مؤخرا، لكن ما سيحسم النزاع بشكل نهائي هو شرعية المنجز التنموي، الحقوقي والسياسي الذي تعد الاستحقاقات الانتخابية أحد أهم مؤشراته.

ففي حين يوفر المغرب كدولة مؤسسات البنى القانونية والسياسية التي تمكن المواطنين من الانخراط في العملية السياسية والمساهمة في رسم السياسات العمومية والتأثير فيها، عبر ضمان الحريات المدنية والسياسية وفي مقدمتها الحق في تأسيس التجمعات والانضواء فيها، إلى جانب حريات الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، رغم حالات التجاوزات المسجلة في بعض الأحيان، وهو ما أهله للتفوق على الجزائر مثلا في مؤشر الديمقراطية الصادر عن مجموعة الإيكونوميست البريطانية مثلا.

نجد في الجانب الآخر من الجدار، نظام البوليساريو الذي يدعي زورا وبهتانا تمثيل الصحراويين، رغم طبيعته الستالينية التي تقوم على سياسة الحزب والفكر الواحد، حيث يمارس القهر والاستبداد في حق سكان مخيمات تيندوف، يحظر تأسيس الأحزاب، وحتى يمنع تأسيس هيئات المجتمع المدني، ويصادر كافة الحريات الأساسية للاجئين الذين لا يزالون محرومين من الحصول على بطاقة اللاجئ، عن طريق تملص البلد المضيف من التزاماته إزاءهم، ورغم مأساتهم ومعاناتهم المستمرة منذ حوالي الخمسة عقود من الزمن.

وبالتالي أعتقد أن تكريس الخيار الديمقراطي الذي انتهجه المغرب في العقدين الأخيرين، سيكون وحده الكفيل بضمان حسم نهائي لهذا النزاع الذي عمّر أكثر من اللازم، فمعالجة الاختلالات السياسية والتنموية التي سبق أن أثيرت من خلال الخطابات الملكية، كظواهر الريع والفساد سيشجع الأقلية التي لا تزال متمسكة بخيار الانفصال على التخلي عن طروحاتهم الحالمة والغير واقعية، كما سيحصن أيضا المكاسب السياسية، الدبلوماسية، والعسكرية التي حققها المغرب مؤخرا بخصوص ملف الصحراء.