الخميس 20 يناير 2022
كتاب الرأي

يونس التايب: ضرورة فرض إلزامية التلقيح لتفادي كارثة صحية

يونس التايب: ضرورة فرض إلزامية التلقيح لتفادي كارثة صحية يونس التايب
لا شك أن الجيل الحالي سيفتخر طويلا بما استطاعت بلادنا تحقيقه في مواجهة وباء كورونا، منذ البداية إلى حين إطلاق الحملة الوطنية للتلقيح، التي كان المغرب من بين أول الدول التي بادرت إلى تنظيم عملية كهاته. وإلى حدود هذا الأسبوع، تجاوز عدد المستفيدين من جرعتي التلقيح المضاد لكوفيد 19، أكثر من 10 ملايين و94 ألف شخص، فيما يفوق عدد من تلقوا الجرعة الأولى من التطعيم 13 مليونا و388 ألف شخص. وهي أرقام كبيرة تبين حجم المجهود الرسمي الكبير الذي بذلته الدولة المغربية من أجل تعبئة اللقاحات في ظرف دولي صعب، يتميز بتنافس كبير على كميات اللقاح التي يتم إنتاجها.
لكن، يبدو أن ما يشهده العالم من عودة الوضع الوبائي للتدهور بسرعة كبيرة، بسبب انتشار السلالات الجديدة لفيروس كورونا، يجعل بلادنا أمام تحدي تسريع إيقاع الحملة الوطنية للتلقيح كي نصل إلى نسبة 80 % على الأقل من الأشخاص الملقحين، و نبلغ بذلك المناعة الجماعية. و من الواضح أن الاعتماد على الانخراط الاختياري للمواطنين، يجعل تسريع وتيرة التلقيح رهينة إيقاع تجاوبهم الذي تبقى سرعته محدودة رغم ما نلحظه من حماس و تعبئة. و يظهر باحتساب وتيرة انتشار السلالات الجديدة من الفيروس، التي ظهرت و تلك التي ستأتي في الأيام القادمة، أن إيقاع التلقيح الاختياري ستصبح متجاوزة قريبا.
وبالتلى، بالنظر إلى أن التلقيح وحده هو ما يعزز مناعة الأفراد و يحد من انتشار العدوى بين الناس، و هو السبيل الوحيد لتقوية مناعة المجموعات البشرية، و جعل المجتمعات قادرة على الصمود أمام فيروس كورونا و سلالاته، و التقليل من عدد الحالات الخطيرة التي تثقل كاهل المستشفيات والوحدات الصحية، و وحدات العناية المركزة والتنفس الاصطناعي، أرى أن لا نضيع مزيدا من الوقت و أن نتعامل مع المؤشرات الجديدة بشكل إرادي، و نطلق حملة للتلقيح الإلزامي حتى أن نستبق كارثة حقيقية قد تفرض نفسها، و لا أحد يعرف الآفاق الخطيرة التي قد تحملها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي و الإنساني.
لذلك، أقترح تشجيع السلطات العمومية و دعوتها بشكل صريح إلى اتخاذ الترتيبات اللازمة كي نمر إلى سرعة قصوى في عملية التلقيح تكون إلزامية و شاملة على المستوى الوطني، من خلال منهجية تنزيل قطاعية و مجالية، متناسقة و متكاملة، و متدرجة من شهرين إلى ثلاثة أشهر، يتم تفعيلها عبر اتخاذ سلسلة إجراءات، أرى منها ما يلي :
1 - تعميم تلقيح كل الموظفين والمستخدمين والأعوان بكل الإدارات والوزارات، والمؤسسات العمومية والمندوبيات السامية، مركزيا وجهويا، وعلى مستوى كل الجماعات الترابية. وجعل ولوج مقرات العمل رهينا بالتوفر على جواز التلقيح، أو على الأقل الانخراط في مسار الحصول عليه عبر أخذ الجرعة الأولى، وتتبع استفادة المعنيين من الجرعة الثانية في أفق ستة أسابيع. ولا شك تستطيع مصالح تدبير الموارد البشرية ومصالح الموظفين، والكتابات العامة بكل الإدارات التابعة للدولة والقطاع العام، السهر على تنفيذ هذا المسار بتنسيق مع وحدات طبية خاصة وتأطير من مصالح الصحة العمومية.
2 - إلزام الشركات والمعامل المسجلة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وإدارة الضرائب، سواء منها التي تعمل داخل المناطق الصناعية أو خارجها، بدعوة كل المستخدمين والأجراء لأخذ جرعات التلقيح، تحت إشراف وحدات طبية تابعة لمصالح الصحة العمومية. و القيام من خلال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتأكد من أن كل الأجراء استفادوا من التلقيح، عبر رصد توفر جواز التلقيح من عدمه، في أجل معقول لا يتجاوز شهرين. وفرض عدم الولوج إلى مقرات عمل هاته الهيئات إلا لمن سوى وضعية الاستفادة من التلقيحات.
3 - نفس الشيء يجب أن يتم على مستوى قطاع الأبناك، و قطاع التأمينات ووكلائه، ومكاتب المحاسبة والمحاماة والموثقين والعدول، ومكاتب الاستشارات التقنية والمحاسباتية، والمكاتب الهندسية والطوبوغرافية ...إلى غير ذلك من المهن الحرة المنظمة، حيث تتم دعوة العاملين بها إلى أخذ التلقيح، تحت طائلة إجراءات إدارية لحماية الصحة العمومية للم اكنين، وزبناء ومرتفقي تلك الوحدات.
4 - التحرك مجاليا على مستوى الفضاءات المهنية و التجارية غير المهيكلة (قيساريات / ورشات صناعة تقليدية / محلات تجارية و خدماتية ... إلخ)، تحت إشراف السلطات العمومية المحلية، بحيث يتم توجيه العاملين في تلك الفضاءات الخدماتية والمهنية، الذين لا زالوا لم يستفيدوا من التلقيح، إلى نقط أخذ التلقيح. وإعطاء الحق للسلطات العمومية بأن تعتبر عدم اتباع هذه التوجيهات، بمتابة تهديد لسلامة وصحة المواطنين، يستحق اتخاذ إجراءات زجرية، كإغلاق المحلات وسحب الرخص الإدارية التي تجيز ممارسة الأنشطة الاقتصادية والمهنية، إلى حين استيفاء شرط التلقيح الذي يشكل دليلا على التزام أصحاب المحلات بأمن وسلامة المواطنين وصحة الزبناء. وهنالك قرارات إدارية يتيحها القانون، وبالإمكان اتخاذ خطوات إضافية بمقتضى مراسيم قانونية جديدة.
5 - منع الولوج إلى المطارات، ومحطات القطار، ومحطات النقل الطرقي، و حافلات النقل الحضري، والطاكسيات، والمقاهي والمطاعم، و كل المرافق العامة المنظمة، على كل من لم يستفد من التلقيح، على الأقل من الجرعة الأولى ثم بعد ستة أسابيع تشديد المراقبة واشتراط التوفر على "جواز التلقيح" الذي يؤكد الاستفادة من جرعتين.
6 - فرض التوفر على جواز التلقيح، أو على الأقل شهادة الاستفادة من الجرعة الأولى، دون أن يتجاوز تاريخ الشهادة ستة أسابيع، كشرط للولوج إلى مرافق الإدارات و المؤسسات العمومية بغرض الحصول على وثائق إدارية لدى دوائر السلطات المحلية، والمصالح الأمنية والقضائية، ومصالح المحافظة العقارية، ومصالح الضرائب، ومصالح الوكالات الحضرية، ومصالح رخص السياقة والبطاقة الرمادية، والمؤسسات البنكية. بذلك، سيكون كل شخص يحاول الحصول على تلك الوثائق، وهو يشتغل خارج دائرة القطاعات الحكومية والقطاعات الحرة المهيكلة وغير المهيكلة التي أشرت إليها أعلاه، مضطرا إلى المسارعة لأخذ اللقاح كي يضمن استمرار حقه في التحرك لقضاء مصالح دون عائق.
7 - في العالم القروي، ومجالات الأنشطة الفلاحية والتجارية التي لها علاقة بالمدن وأسواقها، يمكن التحرك في نفس الاتجاه عبر إشراك وكالات توزيع الماء والكهرباء، والمراكز الفلاحية، والجمعيات والتعاونيات الإنتاجية، ووكالات البريد، ووكالات المكتب الوطني للسلامة الصحية، وفرض توفر "جواز التلقيح" على كل المرتفقين من أجل الولوج إلى بناياتها. ويمكن تقنين الدخول إلى أسواق الجملة، للأفراد والعربات بكل أنواعها، بشرط توفر التجار والزبائن على جواز اللقاح.
8 - على مستوى التعليم الجامعي والمهني، سواء مرافق التكوين أو مرافق الإقامة الجامعية، يجب اشتراط نسخة من جواز التلقيح كوثيقة أساسية ضمن ملف التسجيل للسنة الجامعية 2021 - 2022. وكي لا نضيع الوقت، يمكن الإعلان بسرعة عن هذه الإجراءات كي يتسنى للشباب أخذ جرعتين بفارق ستة أسابيع، قبل الدخول الجامعي الذي يمكن تأخيره إلى غاية نهاية شهر أكتوبر المقبل.
9 - استثمار مرحلة الدخول المدرسي لدعوة أمهات وآباء تلاميذ الابتدائي والثانوي إلى المسارعة للاستفادة من التلقيح. والغرض ليس هو جعل غياب جواز التلقيح لدى الآباء، عائقا أمام تسجيل أبنائهم، بل فقط التأكد من ضبط لائحة الأشخاص الكبار غير المستفيدين، والاشتغال على دعوتهم للالتحاق بالركب بتنسيق مع السلطات المحلية.
10 - دراسة ترتيبات تأجيل الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر إلى حين إنهاء عملية التلقيح الإلزامي، وفرض تدابير تؤطر الدخول إلى مراكز الاقتراع بشرط التوفر على جواز التلقيح.
لا أشك في كون هذه الديناميكية ليست سهلة التنفيذ. لكنها أبدا ليست بمستحيلة، ولا أتصور أن الصعوبات التنظيمية واللوجيستيكية التي ستطرحها يمكن أن تقف عائقا أمام التقدم في تحقيق الأهداف، بتدرج وعبر مراحل، وبمقاربة قطاعية ومجالية ترابية. فقط، يتعين أن تنطلق الدينامية بتعبئة الجميع، تحت إشراف السلطات العمومية المعنية مركزيا، على أن يتم التنفيذ، جهويا وإقليميا ومحليا، تحت إشراف السادة الولاة والعمال وأطر الإدارة الترابية والصحة العمومية، وأطر مصالح الأمن وقوات الدرك الملكي والقوات المساعدة، الذين أبانوا جميعهم، منذ بداية الجائحة، عن تمكن كبير وقدرة احترافية على تدبير الأزمة والتنسيق بين الأطراف بمهنية ومسؤولية وحرص مستمر على احترام القانون.
ومن العوامل التي ستساعد في تحقيق النجاح لهذه العملية :
- وجوب تنسيق إيقاع عمليات التلقيح بشكل زمني متدرج، يراعي توازن الطلب مع كميات اللقاحات المتوفرة، ومع الكميات التي تأكد أن بلادنا ستتوصل بها وفق برمجة ممتدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وهذا شرط جوهري كي نضبط التوزيع بشكل يوازي التعبئة التي ستتم.
- الالتزام بالتوفيق ما بين الحزم والمرونة، واعتماد التفاعل بتعبئة وحدات للاتصال و تلقي الاستفسارات، والقيام بالوساطة لحل كل العوائق، والتواصل المستمر والتنسيق التام بين المصالح.
- اتخاذ ترتيبات خاصة واستثناءات محددة، بالنسبة لحالات الأشخاص الذين لهم حالة ذات صبغة إنسانية أو صحية ضاغطة يمكن أن يحددها المختصون في قطاع الصحة العمومية.
- التحرك بمقاربة ذات بعد اجتماعي واعتماد خطاب تحفيزي وأسلوب إدماجي.
لا شك أن هنالك تفاصيل وجزئيات لا يسع المقام هنا للخوض فيها. لكن ما راكمناه من تجارب، وقدرة على تعبئة المواطنين، يمكنها أن تتيح لبلادنا إنهاء كل عمليات التلقيح الإلزامي في ظرف ثلاثة أشهر على أكبر تقدير، بحماس وروح وطنية عالية، شريطة توفر كامل كميات اللقاحات الضرورية.
ولدي ثقة كبيرة أننا نستطيع رفع التحدي وإنجاح مسيرة وطنية جديدة، صحية هذه المرة ضد عدو فيروسي فتاك، عبر اعتماد منهجية عمل توازن بين أولوية المصلحة العامة المضمونة دستوريا، وبين حق الأفراد وحريتهم، بتغليب حس المسؤولية على أي استهتار قد يؤدي إلى كارثة صحية واجتماعية واقتصادية.
نحن في ظرف تحكمه تدابير قانونية تؤطر حالة الطوارئ الصحية، وهي تتيح هامشا حقيقيا للحركة. كما يمكن اتخاذ ترتيبات إضافية كدعوة النيابة العامة لمواكبة هذه العملية والسهر على احترامها لكافة الشروط القانونية. ومن الممكن الاستفادة من مساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان والاجتهاد لتوفير الضمانات التي تؤكد أننا سنلتزم التوازن بين واجب حماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وواجب حماية المجتمع وضمان أمنه ضد خطر مؤكد داهم.
ومهما يكن من تعب وتضحيات ومن جهود إضافية ستتطلبها عملية التلقيح الإلزامي، لكنها أقل من تعب استمرار التعبئة الحالية بوتيرة مهمة، لكنها غير كافية لنصمد في مواجهة عودة العدوى للانتشار بسرعة فائقة. ومن المؤكد أن نتائج هذا الورش الوطني ستكون كبيرة للغاية، وستمكننا من حماية اقتصادنا وتعزيزه واستمرار ديناميكيته، والمحافظة على سلامة و استقرار منظومتنا الصحية من انهيار محتمل إذا استمر المنحى التصاعدي للعدوى بسلالة دلتا و بغيرها من السلالات الجديدة الأشد فتكا، خاصة أن مؤشرات عديدة تبين أن الموارد البشرية للقطاع الصحي أصبحت في حالة من الإجهاد والتذمر لا تبشر بقدرتها على الاستمرار في العمل إلى ما لا نهاية، بعد أن استنزفت طاقتها بسبب نقص الأطر وعوامل أخرى، منها عدم تحفيزها بالشكل الذي يعينها على ذلك.
في زمن الأزمات تحتاج الأمم العريقة إلى استنفار كل قيمها الأصيلة وتحمل المسؤولية السياسية بشجاعة ووطنية. لذلك، أدعو إلى إطلاق عملية غير مسبوقة للتلقيح الإلزامي نعين بها أنفسنا كي يبقى الوضع جيدا ونتفادى كارثة صحية، تهدم لا قدر الله مكتسبات كبيرة تحققت لبلادنا في ملحمة مواجهة وباء كوفيد 19.
.