الأحد 17 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

نور الدين السعيدي حيون: العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي من خلال كتابه "مفهوم الدولة" (الحلقة 2)

نور الدين السعيدي حيون: العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي من خلال كتابه "مفهوم الدولة" (الحلقة 2) نور الدين السعيدي حيون (مع مؤلف عبد الله العروي "مفهوم الدولة")

"بفضل علمه بالتاريخ الأيديولوجي للعالم العربي وكذا لأوروبا، وبمعرفته لمناهج التحليل التي كونها العالم الحديث (....) وبفضل تفتحه ويقظته بإزاء كل ما يستحق عناية إنسان ذكي وحر، أخضع (العروي) أهم قضايا العالم الذي ينتمي إليه إلى أعقل تحليل ممكن"، ماكسيم رودنسون.

 

مفهوم الدولة من خلال التراث الإنساني:

في إطار معالجة العروي لكل من مفهوم الدولة الدينية والدولة الطبيعية، قام باستعراض مقالتين لـ "كاسيرر"، إحداهما تتحدث عن الدولة الدينية المرتبطة بالحياة الآخرة والجنة، كنظرية أخلاقية كما عند "أغسطين" وفقهاء الدين الإسلامي ومنظرو القانون الطبيعي، والأخرى تطرح الدولة الطبيعية المرتبطة بالمصلحة والسعادة والرفاهية للمجتمع في الحياة الدنيا، كما عند "كانط" و"السوفسطائيون" و"إخوان الصفا" وفلاسفة القرن 18 والليبراليون. ويبين العروي أن "كاسيرر" المرتبط فكريا بـ "كانط" و"توما الأكويني"، يرد بمقالتيه على المفهوم الاسطوري للدولة الذي قدمه كل من "ماكيافللي" و"هيغل"، والذي يقصي الدولة عن الوجدان الفردي، التي حاربها فلاسفة ومفكرين آخرون كـ "كارل بوبر" في كتابه "المجتمع المفتوح"، و"جاك ماريتان" في كتابه "الدولة والفرد"، و"ليوستراوس" في كتابه "القانون الطبيعي". وهنا يعتبر العروي أن كلتا المقالتين متعارضتين، داخل (ثالوث العقل والطبيعة والأخلاق)، لأن كل مقالة تعطي معنى مضادا للأخرى في هذه المصطلحات، بالرغم من أنهما يتفقان على بعض النقاط منها: أن الدولة في كليتها لا تحتوي تعارضا بين الشر والخير في النفس الإنسانية، أو تناقضا بين فئات أفراد المجتمع، وأن الدولة الصالحة والطبيعية، تتجانس مع الإنسان والمجتمع في عالم لا يعتريه أية تناقض، وأن الدولــة الفاسدة بوتقة للشر، وتنغمس فيها جميع الفئات اللاإنسانية واللاشرعية واللاطبيعية، وتعاكس الوجدان الإنساني المتطلع للفضيلة, وتجسد اللاقيمة مقابل القيم الكونية للأخلاق. الدولة في المقالتين لا تبدي أية قيمة إلا إذا تغلغلت في المجتمع، وحققت أهداف الإنسان العاقل، وبذلك تصبح دولة أخلاقية فقط، وجزءاً من المنظومة الكلية للخير والحق. وبرأي العروي أن كلتا المقالتين تقفان على عتبة موضوع الدولة ولا يدخلانه، ويمهدان للنظرية دون التوغل في صلبها، لأن التفكير في الدولة يبدأ في اللحظة التي نفكر فيها بمقتضيات الإرادة الجمعية. واعتبر العروي أن الكتاب ضد أسطورة الدولة ومفكرين بصبغة ليبرالية أو دينية وبعيدين عن الفلسفة وحقلهم الفعلي هو علم الكلام أو الابستمولوجيا.

 

وعن الدولة التقليدية في الوطن العربي يبين لنا في الصفحة 91 من كتابه مفهوم الدولة: (أن وصف الدولة الإسلامية صعب إن لم يكن مستحيلا. والصعوبة لا تأتي من قلة المعلومات والمصادر بقدر ما تأتي من عملية تكون الدولة ذاتها). وقبلها يشير في الصفحة 90: (أن المؤلفات الشرعية التي تحدثنا عن الدولة كما يجب أن تكون، لا عن الدولة كما هي في الواقع، قد أثرت مدة قرون في نفسانية الفرد بوسائل شتى: بالتربية العائلية في البيت، بالتعليم المنظم في المساجد، بالتهذيب الذهني والخلقي في الزوايا.. تلك التربية المتوارثة، جيلا بعد جيل، تنشر فكرة خاصة عن علاقة الحاكم بالمحكوم، أي عن السياسة والدولة). وفي الصفحة 92 يخلص إلى: (أن الدولة العربية مبنية على أساس اجتماعي معين، تهدف بالضرورة إلى المحافظة على توازن القبائل والعشائر والأسر، وبالتالي إلى المحافظة على الجنس).

 

يؤكد العروي القول بأن الدولة، أول ما تواجهنا، تواجهنا كـ "أدلوجة"، أي كفكرة مسبقة، كمعطى بديهي، يطلب منا أن نقبله بلا نقاش، كما نقبل خلقتنا وحاجاتنا.. وضرورة الانقياد لأوامرها،... كل تفكير حول الدولة يدور إذن على محاور ثلاثة: (الهدف، التطور والوظيفة)، فما يكون رأي ابن خلدون في ما أكد عليه العروي، من خلال العروي نفسه، عندما يطرح سؤاله المعروف، ما هي الدولة؟  

 

مفهوم الدولة عند ابن خلدون (1332 – 1406):

في الفصل الرابع من الكتاب يصرح العروي بالقول الصريح أنه: (عندما نتكلم اليوم عن الدولة الإسلامية نعني بالضرورة مركبا من العناصر الثلاثة: العربي والإسلامي والأسيوي. إلا أننا لا نستطيع أن ندرك ذلك المركب وهو محقق في التاريخ لأننا لا نملك شهادة معاصرة عليه..)، إلى أن يقول: (وما دمنا في موضوع الدولة فلابد لنا من الرجوع إلى ابن خلدون، المفكر العربي الذي قدم لنا نظرية تاريخية واجتماعية عن الحياة السياسية، الإنسانية بعامة والعربية الإسلامية بخاصة. وتأتي أهمية ابن خلدون.. كونه ينتصب في ملتقى الاتجاهات الفقهية والفلسفية والتاريخية وحتى الصوفية. لقد فكر حسب هذه الاتجاهات كلها فوفر لنا في آخر تحليل الأرضية المشتركة بينها)، ويختم بما قرره ابن خلدون نفسه حين قال: (إن الملك غاية طبيعية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه. ولابد لذلك الملك، وهو طبيعي، من قوانين لكبح الحاكم. يميز بعد ذلك ابن خلدون بين نماذج ثلاثة من الحكم/ الملك (الطبيعي والسياسي والخلافة)، وأيضا، يقسم السياسة العقلية -المعتمدة على العقل البشري وحده دون استلهام أي دعوة دينية أو ربانية- بدورها)، كما يشير إلى ذلك العروي إلى نوعين، (أحدهما، يهدف إلى مراعاة المصالح على العموم، وثانيهما، يهدف إلى مصلحة السلطان فقط).

 

السؤال الأساس الذي يطرح نفسه بعد هذا التنظير، هو: هل نظر المفكر العربي الإسلامي التقليدي في غير منطق الفكر؟ هل تجاوزه لينظر في منطق الفعل؟ إجابة عن هذا السؤال يسلط العروي نقده في القسم الثاني على صاحب المقدمة الذي حاول جاهدا أن يكشف قواعد هذا "العقل العملي الجماعي". وهنا أيضا يتخذ النقد الدلالـة نفسها التي رأيناها فيما طرح أعلاه، أي إثبات الحدود وتحديد حدود الصلاحية.

 

يرى الأستاذ العروي أن ابن خلدون اتخذ موقفا وسطا بين الفقيه الذي يقول الحق بإطلاق، اعتمادا على خبر اليقين، وبين العارف الذي يشاهد الحق بعد إماطة الحجاب: العقل عند صاحب المقدمـة لا يورث ولا يكتشف وإنما يكتسب بالتجربة الـمتجددة. إنه دوما عقـل مشخص، محدد ومحدود دائما بظروف الممارسة. لكن هذا التشخيص بالضبط هو الذي سيحد منظور صاحبه إلى العقل. رغم أنه أعرض عن علم الكلام، وتوخى تأسيس علم الواقعات، ومع أنه توصل إلى مفهوم العقل التجريبي المرتبط بالصنائع، فقد وقف في المجال الذي ابتدعه حيث وقف غيره في ميدان الكلام. إنه لم يتصور أن يصبح العقل التجريبي عقل إنشاء وإنجاز. لذا فقد حصر المرئيات في المتحقق ومنع نظريا الانفتاح على التجارب الوهمية الكاشفة عن المحتمل. وبعبارة واحدة فقد حرم نفسه من خوض تجربة الممكن الموضوعي التي هي تجربة الفن التي تفتح العقل على آفاق الممكنات .

 

لقد حصر ابن خلدون التاريخ واستبعد إمكانية التجديد بمعاكسـة سنن الكون. إنه جعل العقل محاصرا. "قانون تفكيره هو التوقيـف والحصر في كل المجالات: في السياسة، في العلم، في التعبير… موضوع العلم الحق، العلم اليقيني عنده هو الواقعات، أي الحاصل المحقق بالفعل، وأما المقدر المتوهم المحتمل فهو وهم. والوهم لا يحد فلا يعلم. إن الكائن هنا لا ينطوي على ممكنات. وعلم الواقعات يتنافى مع التوقعات وحساب الاحتمال، إذ علم ما يستقبل هو من الغيب الذي لا يتم إلا بالكشف. هذا الانسداد هو ما يجعل صاحب المقدمة عاجزا عن إقامة منطق حقيقي للفعل. ذلك أن الفعل لا يكون فعلا إلا إذا كان تجرؤا على أمر غير محقق. وهدف التوقع هو العمل وليس المعرفة المجردة. إن علم العمران الخلدوني علم طبيعي، علم ما هو محقق وليس علما إنسانيا ناتجا عن الإبداع والإقدام. لقد طبق ابن خلدون على الواقعات منطق الطبائع بالمعنى الكلامي فسد الطريق في وجه عقل العمل البشري، وبالتالي عقل الطبيعة كما فهمها الفكر الحديث، مجال تجارب الإنسان المتجددة. لقد أبدل ابن خلدون العقل التجريدي بالعقل التجريبي. فكان مجددا في ذلك. إلا أنه لم يستطع أن يطور هذا العقل الثاني إلى عقل يعم كل أوجه الممارسة بـما فيها من انفتاح ومخاطرة واعتبار الممكنات نسيجا للوقائع ذاتـها .

 

يشير العروي إلى كون: العرب لم يعرفوا سياسة عقلية لأنهم لم يعرفوا مدنية حضرية قبل الإسلام. فالإسلام هو الذي حضرهم، لذلك جاءت مرحلة الخلافة مباشرة بعد مرحلة الحكم الطبيعي.. ثم لم تلبت أن اصطدمت مع السياسة العقلية، الفارسية بالخاصة. والشاهد على ذلك ما قاله ابن خلدون في عرب الجاهلية: إن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم.. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة.. فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة.. واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم، ويضيف قائلا: غير أن حضارة العرب تغيرت، أثناء الخلافة ذاتها، وتطورت من عمران بدوي إلى عمران مدني. فكان لا بد أن يصطبغ الحكم بشيء من السياسة العقلية لأن (العمران لابد له من سياسة ينتظم بها أمره) وهنا بقول العروي، يطرح السؤال الخطير: هل يمكن أن يحصل انقلاب مضاد، أي أن تنقلب السياسة إلى خلافة؟ لا يستبعد ابن خلدون المؤمن هذا الاحتمال لأن القدرة الإلهية لا يعجزها شيء في الكون. ويأتي العروي بشهادة على ذلك بقول المؤرخين، أن حكم عمر بن عبد العزيز كان خلافة. ويضيف: ويذكر ابن خلدون الملك الطبيعي والخلافة والسياسة العقلية. يصفها كنماذج حكومية تتعاقب زمنيا ويرتبها حسب قيمتها الأخلاقية فيجعل الملك في الأسفل والخلافة في القمة" مع أن العناصر الثلاثة توجد بنسب متفاوتة في كل الدول التي توالت على رقعة الإسلام، وهي فكرة حسب العروي لم يسبقه إليها أي فقيه أو مؤرخ .

 

إن مأزومية الواقع العربي حفز ابن خلدون على انتقاد واقع زمانه الذي تخلّت فيه الدولة/ نظام الحكم عن الدعوة الدينية، حيث عمل على استقراء التاريخ المعيش كي يُدلّل على ما يذهب إليه؛ فمن التاريخ يستحضر تجربة الحُكم الرّاشدي ويعتبرها ذروة ما وصل إليه المسلمون، ثم ما لبثوا أن تهاووا نحو دول ظالمة لا تقيم للشرع قائمة ، ثم إنهم بعد ذلك: انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين فنسوا السياسة ورجعوا إلى فقرهم، وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم من الانقياد، وإعطاء النصفة، فتوحّشوا كما كانوا ولم يبق لهم من اسم المُلك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن جيلهم، ولما ذهب أمر الخلافة وامّحى رسمها انقطع الأمر جملة من أيديهم وغلب عليهم العجم دونهم، وأقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون المُلك ولا سياسته، بل قد يجهل الكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم .

 

من هنا يرى العروي أن: من يتكلم عن التربية، التي تجعل الانسان الحيواني إنسانا إنسانيا، أو التي تفتح عين الفرد على الغاية التي من أجلها يعيش، يتكلم حتما عن الدولة، كل مربي لا بد له من مربي والدولة هي مربية المربين،.. تلقين؛ التلقين يرتكز على النفوذ؛ والنفوذ وينتهي في آخر التحليل بالدولة. هكذا، نجد كل الأنبياء والرسل والمصلحين يدخلون، بعد حين يطول أو يقصر، هم أنفسهم أو بالنيابة، حيز الدولة. ليس هناك معارضة بين الدولة والمصلح، بل بين دولتين، الأولى مستقرة والثانية مستجدة حسب تعبير ابن خلدون .  ويصرح العروي في الصفحة 100، أنه: ليست أصالة ابن خلدون في أحكامه بل في السرد والتعليل وذلك لأنه عندما يصف أحوال الدولة الإسلامية ىتوخى وصف أحوال الدولة عامة. تكمن أصالته في كونه نقب عن جدور أحكام المؤلفين السابقين له، فكشف عن الأرضية التي كان وقف فوقها كل من الفقهاء، والمؤرخين والفلاسفة عندما كتبوا في موضوع السياسة والخلافة. وبذلك علل مواقفهم جميعا".

 

كما يبين لنا العروي أن ابن خلدون مقتنع: بأنه لا يوجد في تاريخ الإسلام دولة قائمة على العصبية وحدها أو على الدعوة الدينية وحدها أو على التنظيم العقلي وحده، لابد من تواجد الدعائم الثلاث، معتمدا في ذلك حسب العروي، مفاهيم مجردة يؤسس عليها الكيان السياسي. تطلق على تلك المفاهيم المجردة الأسماء التالية: العصبية، الشرع، العدل، وهي كما يؤكد تشبه المفاهيم المحورية التي استعملها "ماكس فيبر" (LEGITIMITE; LEGALITE et CHARISMA) 

 

الهوامش:

1- وريف عوادين، عبد الله العروي، 16/5/2016، شوهد في: 16/3/2020، في  https://www.facebook.com

2- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط1، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1981)، ص 90- 92.

3- العروي، الدولة، ص 5 و7.

4- العروي، الدولة، ص 93 و94.

5- عبد السلام بنعبد العالي، نقد العقل العربي الإسلامي: حول كتاب "مفهوم العقل" لعبد الله العروي، شوهد في: 13/3/2020، في  https://www.aljabriabed.net/n01_15abdaeali.htm

6- بنعبد العالي، نفسه.

7- العروي، الدولة، ص 95 و96 و97.

8- عبد الرحيم العلام، سؤال الدولة والدين عند مكيافيلي وابن خلدون، 26/3/2020، على الرابط: https://caus.org.lb/ar/

9- ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، (دمشق: دار يعر، طبعة 2004 )، ص 290 و291.

10- العروي، الدولة، ص 19.

11- العروي، الدولة، ص 100.