الأربعاء 4 أغسطس 2021
فن وثقافة

باحثون ينفضون الغبار عن معالم تاريخية في قلب الأطلس المتوسط

باحثون ينفضون الغبار عن معالم تاريخية في قلب الأطلس المتوسط ثلاثة مشاهد من الزيارة الميدانية للمعالم التاريخية

في إطار الأنشطة الموازية للبحث العلمي الأكاديمي، والنبش في خبايا التراث الجهوي والوطني، وفي إطار انفتاح مركز معابر للدراسات في التاريخ والتراث والثقافة والتنمية الجهوية على محيطه الجهوي، ومن أجل رسم صورة واضحة عن مختلف المكونات الثقافية والتراثية والحضارية والطبيعية لمجالات جهة بني ملال خنيفرة، سواء من حيث تكوينها الجغرافي، أو من حيث تمايزها الإثني والثقافي، نظم مركز معابر بمعية مجموعة من الأساتذة التابعين لجامعة السلطان مولاي سليمان والمهتمين بالتراث الجهوي، رحلة علمية أكاديمية للوقوف على المعالم الأثرية والمنجمية التي يزخر بها إقليم خنيفرة، بغية نفظ الغبار عليها والتعريف بها وإحصائها وربطها بالتنمية الجهوية.

 

وقد كانت مدينة مريرت هي النقطة الأولى التي حطت بها القافلة رحالها حيث حلت بمنطقة إغرم أوسار المعروفة بمدينة جبل عوام، والتي تشهد معالم أسوارها عن عمقها في التاريخ، عبر تعاقب السلالات الحاكمة على المغرب من أدارسة ومرابطين وموحدين ومرينيين ووطاسيين وسعديين وعلويين، والتي وثّقت لها مجموعة من  المصادر التاريخية، خاصة تلك التي أشارت إلى المرينيين الذين بنوا بها دارا لسك النقود، نظرا لتواجد منجم كبير بها.

 

 

وألقى بعض الباحثين والمهتمين كلمة موجزة، بالمناسبة، حول حيثيات نشأة المدينة، والغموض الذي يكتنف تاريخ تأسيسها، وكذا الفترة الزمنية التي نشأت فيها وأهم المصادر التي تناولتها والبحوث الأركيويوجية التي نبشت في خباياها... بعد ذلك توجه الركب إلى مركز تشخيص التراث المنجمي بقرية تيغزى التي تحتضن المقرّ الإداري لشركة مناجم عوام "تويسيت"، حيث قدّم مدير الشركة رفقة المهندسة المنسقة لأعمال المركز عرضا تفصيليا حول تاريخ الاستغلال المنجمي لجبل عوام، وفترات توقفه، تُوِّجت بجولة بمتحف المنجم الذي يضم مجموعة من الصور واللقى الأثرية... التي توثق لتاريخ المنجم وعماله والمواد المتستخرجة منه والأدوات المستعملة فيه... وبعد ذلك قام الوفد بالتجوال بين مختلف مكونات المنجم.

 

أما في اليوم الموالي فكانت الوجهة لقلعة فازاز الأثرية القريبة من مدينة خنيفرة، والتي تحدث عنها الإخباريون، وهو موقع أثري  يؤرخ لعقود مضت، ويؤثت لذكريات أزمان وأقوام، تفاعلت مع المجال وطوَّعَته لفائدتها. وهذا ما توثقه بقايا أسوراه وبعض المنشآت المعمارية التي ما زالت شاهدة على ذلك، واللقى الخزفية المتناثرة بين أرجائها، والتي تشهد على مراحل التطور الحضاري بالمنطقة. وهناك قدم أحد الأساتذة المهتمين شروحات عن تاريخ الموقع، وأهم الكتابات التي تناولته وأهميته الجغرافية والدفاعية والتراثية والتاريخية.

 

بعد ذلك كانت الوجهة لقلعة ادخسان التاريخية، التي جدد بناءها المولى اسماعيل ويرجع تاريخها، حسب بعض المصادر الإخبارية، للدولة المرابطية، وهناك قدمت الأستاذة سعاد بلحسين مديرة مركز معابر مداخلة حول تاريخ القلعة والأدوار التاريخية التي لعبتها.

 

بعد ذلك كانت الوجهة لسوق الدلالة بمدينة خنيفرة لحضور طقوس وعادات بيع المنسوجات التقليدية والتي يزخر بها إقليم خنيفرة من زرابي زيان وزرابي إمرابضن وغناسة وحنبل... حيث كانت فرصة لقاء مجموعة من الحرفيين والفاعلين في هذا المجال، ومعرفة أهم المشاكل التي يتخبط فيها هذا المنتوج التراثي الذي لازالت المرأة الزيانية تعمل على الحفاظ عليه بأبسط الوسائل.

 

أما اليوم الأخير فكانت الوجهة لمنطقة أجدير الشاهدة على وقائع وأحداث تاريخية هامة، والتي تقع بأعالي جبال الأطلس المتوسط على بعد 30 كلم من مدينة خنيفرة. وتتميز هذه المنطقة الايكولوجية بموقع جذاب  تتخلله مناظر أخاذة وأشجار الأرز الباسقة، وكبادرة طيبة من مديرة المركز الاستاذة سعاد بلحسين  للتعريف بأهمية التراث الطبيعي والبيئي وزرع روح التعاون وحب الأرض لدى الأجيال الصاعدة، قامت بغرس شجرة أرز بفضاء مؤسسة أجدير بحضور تلاميذ المؤسسة وأهاليهم في جو احتفالي. ليتم بعد ذلك زيارة منابع عيون أم الربيع للوقوف على ما يزخر به هذا الموقع من إمكانيات طبيعية هائلة تستوجب لفت الأنظار إليها واستغلالها سياحيا.

 

 

واختتمت الرحلة بزيارة لمركز الهري الذي شهد  معركة الهري الشهيرة، التي تعتبر من أهم الأحداث البارزة في تاريخ المقاومة الوطنية والكفاح ضد الاستعمار، وفي تاريخ المغرب بصفة عامة، والتي ستبقى أيضا راسخة في الذاكرة المغربية التي انتهت بانتصارالزيانيين على الفرنسيين هناك...

 

وخلال هذه الزيارة الميدانية اتضح أن اقليم خنيفرة يضم مواقع أثرية غنية، لعبت أدوارا استراتيجية عبر التاريخ العريق، مازالت شاهدة على حضارة عريقة، كانت حاضرة بهذه المواقع  لكن ما يظهر جليا للعيان، هو الحالة التي وصلت إليها هذا الموروث الثقافي والحضاري، من تدهور، كما هو الشأن بالنسبة لأسوارها، والعديد من مكوناتها الأثرية والتراثية، التي بدت معالمها بالتلاشي. ما يطرح على الباحثين والمهتمين بالتراث، ضرورة التفكير في سبل حماية هذا التراث من الضياع، من خلال إعادة إحيائه، والاهتمام به، وجعله ضمن مكونات رهانات التنمية الجهوية المستدامة من أجل تقوية وترسيخ جهود البناء والمنجزات التنموية.