الجمعة 23 إبريل 2021
كتاب الرأي

عمر المرابط: عشاق الاستبداد ومرتزقو الاستبلاد  

عمر المرابط: عشاق الاستبداد ومرتزقو الاستبلاد   عمر المرابط
كان بود كل محب للحرية ومدافع  عن الديمقراطية  ومتعطش للكرامة  ومناضل من  أجل العدالة  في البلاد العربية، أن يحتفل بمرور عقد من الزمن على  انطلاق الثورات العربية احتفالا يليق بمقامها،  فيراها مكتملة  في البلدان التي انطلقت فيها شرارتها،  ويبصر آثارها الإيجابية  على شعوب المنطقة،  خاصة  وقد  جاءت بعد طول انتظار، وبعد سنين عجاف  استمرت منذ عهد  الاستقلال  من براثن الاستعمار، وحتى عيل  صبر الشعوب وفقدت الأمل وغلب عليها اليأس  وسيطر عليها القنوط.  
كان الرجاء  أن تصمد الثورات في الجمهوريات  وتؤسس لديمقراطية حقة يحكم فيها الشعب نفسه  بنفسه،  وتتحول الملكيات الدستورية إلى ملكيات برلمانية  تتقاسم فيها السلطة  والمسؤولية، وتتحول الملكيات الاستبدادية إلى ملكيات دستورية  تحقق أدنى  ما يحق للمواطن من كرامة ومن  تمثيلية  حقيقية  يسمع فيها  صوته، لكن  وللأسف  لم يتحقق من  هذا  إلا القليل  بل نجحت الثورة المضادة وأصبح  الحكم أكثر عتوا  في  بلدان  عدة، حيث  أجهضت ثورات وتعثرت أخرى  وتم التحايل على  ما  تبقى في  تمثيلية  سخيفة يعرف نهايتها كل متتبع.
بقيت  مقولة الكواكبي "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" متحققة في الكثير من البلدان العربية سيما  تلك التي لم تكتف  بتطبيق الاستبداد الداخلي  بل أرادت تعميمه ونشره،  وبما أن أحسن طريقة للدفاع هي الهجوم، فقد قررت  القيام  بتصدير "أسلوب  الاستبداد ونمط التسلط"  بعدما كانت تخشى  من استيراد  "مثال الثورة   ونموذج الحرية" ، أضحت  تساند  الجهات  المارقة  وتناوئ  الحكومات  المنتخبة  والأحزاب  الحاكمة المنبثقة من الخيار الشعبي، مما أجبر  هذه على الانكفاء،  واضطرها  إلى التترس  بغية  المحافظة  على المكتسبات ولو في أدنى مستوياتها. 
ومن هنا  وعوض الانشغال  بوضع البرامج  الاقتصادية والخطط الاجتماعية، الكفيلة  بمعالجة الفقر والنهوض بالاقتصاد ، رأينا بعض الأحزاب التي فازت في الانتخابات تقبل بدور "شاوش" العمارة ، أي البواب الذي يقف أمام البنايات الحكومية، وتكتفي  بحماية  العمارة  من  دخول اللصوص  وولوج السراق، وتبتهج  بقدرتها  على صون البناية من  المخربين  و المفسدين،  وتعتبر  وقاية التجربة  من النكسة أهم مكتسباتها.
مؤشر الديمقراطية العالمي الصادر  في يناير الماضي  ورغم ما يمكن لنا أن نسجل عليه من ملاحظات  ونقد بناء، يعطينا  معلومات عن حال العالم العربي المؤسف،  فمنطقة شمال إفريقيا  والشرق الأوسط لا زالت  تحتل أسفل الترتيب وراء كل المناطق الأخرى في العالم بما فيها إفريقيا،   والدولة العربية الوحيدة التي صنفت في خانة الديمقراطيات المعيبة هي تونس بالرغم  من المشاكل السياسية التي يعرفها هذا البلد الذي يبقى رائد الحرية  في الوطن العربي،  بينما يحتل المغرب المركز الثاني في  خانة الأنظمة الهجينة  يتبعه بلدان عربيان آخران ،  تبدأ  بعدهما  لائحة  دول  الأنظمة  الاستبدادية  ودائما حسب نفس المصدر.
ما يزيد الأمر بؤسا وتعاسة هو  التطبيل والتزمير الذي يرافق هذا الاستبداد،   فقد كثر الراقصون على جراح  الشعوب،  وازدادوا  عُدة  وعددا،  وشاهد   الجميع  حربا  شبيهة بحرب داحس  والغبراء  التي عرفها العرب في الجاهلية ، غير أن السباق هنا  لم يكن بين فرسي رهان، ولكن  بين  حصان  يحمل  قوى الحرية  والضمائر الحية  والنفوس المتبصرة، وبين حصان الثورة المضادة  وعودة الاستبداد والتحكم والتسلط، وخرج متبارزون  من كل جانب ومشجعون من كل طرف ، ليذود فريق  عن المكتسبات  بينما يدافع فريق ثاني عن  السلطات،  وكي  ينافح بعضهم عن الحقوق  حين يعتبر غيرهم هذا نوعا من العقوق،  ولكي  يكافح  جزء منهم  لنيل الحرية  عندما  يقاوم غيرهم  رغبة في  الارتزاق تحت ظل العبودية.
لا غرو أن يكون المتصدرون  من فئتين فاعلتين ومؤثرتين، فئتي  رجال الدين  -ولا أقول العلماء - والإعلاميين،   وإذا كان  من صلب عمل الفئة الثانية  الخوض في السياسة  ونقل الأخبار إذ لا  يمكن  تصوّر وجود إعلام دون سياسة وسياسيين، فإن الفئة الأولى  أقحمت  في السياسة إقحام  ماكر، وحشرت في  ميدان  التدبير  للتبرير،  وبالتحديد من أولئك الذين يتهمون الدين التدخل في السياسة،  فأُخرس  كل صادح بالحق ، وأُسكت  كل  ناطق  بالصدق  واتهم كل  مخلص  وفيّ،  بينما فتح المجال  للمتشدقين  المتملقين،  وتعالى صوت المداهنين والخائفين، وظهر التناقض في الخطاب والتعسف في التفسير  والتنزيل،   وأصبحت المنابر الإعلامية  ساحة للكر والفر،  وللهجوم  والتهجم، وهي  حرب ليست بين الإسلام  السياسي أو غير السياسي، أو بين المتدين  وغير المتدين  أو بين المحافظ  والعلماني ، وإنما هو صراع حول النفوذ  وعراك حول السلطة، وخصام بين مصالح  ذاتية وفئوية في مقابل مصالح عامة  وشعبية.
قامت  فئة  من  رجال الدين  بدور التخدير والتنويم، وقامت فئة  من الإعلام بالاتهام والتخوين، خربت ثورات  وسرقت أخرى،  أججت الفتن  وحمي الوطيس بين المذاهب والطوائف، واشتد  القتال بين أبناء الوطن  الواحد، فقام  شيوخ  على منابر  المساجد  ووقف  خبراء على  منصات  الإعلام ،  اشتد اللغط والصخب  وسمعنا أصواتا  تعالت،  تهتف  انظروا إلى  دولة اليمن كيف صارت، وإلى  سوريا  كيف انهارت، وإلى ليبيا   كيف  تهاوت، وإلى تونس كيف  كانت. 
ومع  ذلك بقي  بصيص نور مع  انتشار الوعي السياسي الذي خلفته الأحداث، وطُوي زمن الخوف  بعد نجاح الثورات ،  واستمر شعاع  الأمل  في غد أفضل، ودام  تألق الإعلام الحر النزيه  بطريقة  أجمل،  ومن  ثمة يمكن أن نقول أن الربيع العربي لم  يكن ولن يكون خريفا،  وإنما يأتي الخريف لإزالة الأوراق التي ذبلت واصفرت،  فيهيئ الأشجار لترتوي في  الشتاء، وكي  تنبت في  الربيع أوراق أبهى وأجمل .
سيأتي  يوم سيفضح فيه عشاق الاستبداد وسيرمى إلى مزبلة التاريخ مرتزقو الاستبلاد، وقد تصيبهم نكبة البرامكة  ليذوقوا  بأس ما أذاقوا  العباد،  ليعيش  القابضون على الجمر من أجل  الحرية والكرامة، وليسجلوا أسماءهم بحبر من ذهب مقابل  أنصار الخزي والنذالة،  سوف يأتي يومٌ تنكشف فيه الغمة وتنجلي الظلمة،  فينقشع الغيم  ويرحل الضباب وتتضح الرؤية   ويسطع الضياء ، و حينها  سيعلم المرء  وقد زال  الغبار   أفرس تحته أم حمار .