الخميس 22 إبريل 2021
كتاب الرأي

عبد الله أبو إياد العلوي: بناء نموذج تنموي قوي رهين بالاستثمار في الرأسمال البشري

عبد الله أبو إياد العلوي: بناء نموذج تنموي قوي رهين بالاستثمار في الرأسمال البشري عبد الله أبو إياد العلوي

يظل الاستثمار في ثروة الرأسمال البشري، وبناء قدراته من خلال التعليم الجيد والتكوين البناء، كفيلا ببناء نموذج تنموي قوي الذي يظل رهينا بتحقيق عدة مرتكزات رئيسة وحيوية، ترتبط أساسا بالحد من الفوارق المجالية والتقليل منها، على أساس المساواة أمام جميع المواطنات والمواطنين، وأن يتخذ هذا النموذج طابعا شموليا ينفذ لكل المجالات خصوصا التعليم والصحة والشغل.

 

كما يقتضى هذا النموذج التنموي، المساهمة في إرساء جهوية متقدمة تعيد الاعتبار لكل جهة حسب الموارد الاقتصادية والطبيعية والبشرية التي تتوفر عليها،. بهدف إعطاء نفس جديد للتنمية المرجوة، وتجاوز العراقيل التي تعيق تطورها، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات، التي أبانت عنها التجربة ولن يتأتى ذلك إلا بتظافر جهود جميع الأطراف المتدخلة.

 

وإن كان أي نموذج تنموي يشهد إبان ظهوره إشادة وتنويه من طرف المختصين والفاعلين في المجال، فإنه سرعان ما تثبت حقائق البحث العلمي الدقيق عن ثغراته التي تفصح عن ضرورة إعمال الروية والتفكير في سياقاته ورهاناته. وبالرجوع إلى النموذج التنموي المغربي الحالي شهد هو الآخر، بمجرد ظهوره، تسليطا للأضواء التي أعلت من قيمته ونوهت به. غير أن واقع الممارسة والتطبيق الواقعي أبان عن نقائصه وثغراته.

 

ولعل من أهم الأسباب التي دفعت الملك محمد السادس إلى الإقرار خلال خطابه بمناسبة افتتاح دورة أكتوبر التشريعية لسنة 2017، بضرورة إرساء دعائم نموذج تنموي جديد بناء على ما أكدته مجموعة من التقارير وما شهده المجتمع المغربي على مستوى الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والسياسية من تداعيات وأزمات، ليعطي بذلك انطلاقة إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي يوم 12 ديسمبر 2019، بتعيين شكيب بنموسى رئيسا للجنة، و ذلك يوم 19 نونبر 2019.

 

وتتجلى خصوصية هذه اللجنة في القيام بمهمة ثلاثية، تتمثل في إعادة التقويم ضمن منهجية استباقية واستشرافية من أجل تمكين البلاد من الاتجاه نحو المستقبل بكل ثقة، مع الاعتماد على مختلف المكاسب التي حققها الاقتصاد المغربي خلال العشرين سنة الماضية، والأخذ بعين الاعتبار التوجهات الرئيسة للإصلاحات التي تم تنفيذها في مختلف القطاعات، لاسيما التعليم والصحة والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي.

 

لقد ارتكزت مهام اللجنة المحدثة، في طابع استشاري حددت معالمه في غلاف زمني، عملت من خلاله على رسم ملامح نموذج تنموي جديد وفق مقاربة تشاركية شمولية كمرتكز أساس قائم على التشخيص الدقيق والموضوعي للوضع الحالي المبني على النموذج المعتمد إبان إنجاز مهامها، للتعبير بكل جرأة وموضوعية عن الواقع بما يعج به من اختلالات يتم رصدها بهدف تصحيحها وتعديلها وتحديد معالم القوة من اجل تعزيزها، في أفق صياغة مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ.

 

غير أن التفكير في بناء نموذج تنموي جديد، يعد تحديا حقيقيا، بالنظر إلى طبيعة الموضوع وتعقده وبالنظر أيضا إلى تعدد مستويات التحليل، لأنه يرتبط في الآن نفسه بسياق التحديات العالمية المنبثقة عن إطار مجريات الاقتصاد العالمي وما يفرزه من عقبات وصعوبات وكذا تطلعات الشعب المغربي بآماله وطموحاته، إلا أن نموذج النمو الحالي لم يعد قادرا على ضمان تطور مطرد للنشاط الاقتصادي يسمح بخلق الثروة وفرص الشغل.

 

من جهة أخرى، نجد أن مراكمة رأس المال المادي كمحرك للنمو، واكبها انخفاض في مردودية الاستثمار (ارتفع المعامل الحدي لإنتاجيـة رأس المـال ICOR بحوالي 8 نقط)، فيما كانت مساهمة الصادرات الصافية إما مساهمة سلبية أو ذات وقع إيجابي ضئيل جدا على نمو الناتج الداخلي الإجمالي، بالإضافة إلى أن مستوى تطور محتوى الصادرات يبقى غير كاف (المرتبة 99 من أصل 124 بلدا حسب مؤشر التشعب الاقتصادي).

 

إن هذه الهشاشة التي تطبع الاقتصاد المغربي تعيق قدرته على تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي، كما نجحت في ذلك بعض الدول الصاعدة، مثل تركيا. وتتجلى أوجه الضعف الماكرواقتصادي لنموذج النمو الحالي أيضا في وضعية المقاولة المغربية التي لا تزال تعاني من ضعف قدرتها التنافسية.

 

لذا أصبحت الحاجة اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى لمواجهة تحديات كثيرة منها ما يرتبط بالتغيرات الطبيعية والتأثيرات المناخية وندرة الموارد الطبيعية، ومنها ما يرتبط بالخصائص الاجتماعية كالنمو الديموغرافي وعلاقته بالمجال الاقتصادي وخلق فرص الشغل أمام تزايد البطالة وغيرها من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في ترابط بين كافة المكونات والمجالات.

 

وتواجه مع ما اكتساه النموذج الحالي من تحقيق لمجموعة من المنجزات، فإنه مع ذلك يعاني عجزا على مستوى الحكامة العمومية، لم يمكن من الاستجابة للحاجيات والانتظارات المتزايدة للسكان والتصدي للتحديات المهمة التي تواجه كلا من المحلي والجهوي والدولي، فلم يسهم في التقليص من الفوارق الاجتماعية والمجالية أو التخفيف والحد من العجز الاجتماعي، بالإضافة إلى تحصين المكتسبات في مجال الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومعالجة العجز الحاصل في المجال الاجتماعي، ومشكلة استمرار اتساع دائرة الفوارق الاجتماعية والمجالية، والضعف في مستوى الحكامة العمومية، يجب على النموذج التنموي الجديد أن يكون قادرا على مواجهة التحديات الكبرى في العقود القادمة.

 

لابد من الإشارة إلى أن الأزمة التي سببها وباء كوفيد-19، والتي شلت الاقتصاد الوطني والدولي، أخرت الموعد النهائي لتقديم تقرير النموذج التنموي الجديد وبالوقوف على أبرز ركائز اختلالات النموذج التنموي الحالي يبدو جليا أن رهان تحقيق نموذج تنموي جديد فعال ومثمر قوامه الارتكاز على دعائم البحث في سبل خلق الثروة ولكن وبشكل جوهري البحث في سبل التوزيع العادل والمتكافئ لثمارها من أجل خلق عدالة اجتماعية ومجالية هادفة.

 

من هنا يمكن اعتبار النموذج التنموي بمثابة الاستراتيجية الوطنية التنموية الشاملة، كاستراتيجية تهدف إلى تحقيق تنمية كلية على المدى القريب والمتوسط، ثم البعيد، كأفق يعد بإشراك جميع المتدخلين الرسميين وغير الرسميين في هذه الاستراتيجي يقتضي التفكير في سياق تنموي ملائم تحقيق عدة متطلبات منها على الخصوص الالتزام قبل كل شيء بالعامل الزمني المبرمج في التخطيط للمشاريع التنموية، لترتبط في تفعيلها بالتزامن كي تكون ذات جدوى وفعالية واسترجاع الثقة لدى المواطن عبر تعزيز آليات الحكامة الترابية والمؤسساتية وإشراك المواطنين عبر إرساء دعائم الديمقراطية المحلية والتشاركية والاستثمار في الرأسمال البشري كرافعة لتحقيق نموذج تنموي فعال.

 

كما يقتضى الأمر توفير خدمات اجتماعية ومرافق عمومية جهوية، تساهم في تحقيق اكتفاء ذاتي لدى المواطنات والمواطنين. خاصة في ظل الفوارق التي تعرفها الجهات، وعدم التكافؤ الحاصل على مستوى الاستفادة من المرافق العمومية وفسح المجال أمام الكفاءات، لتحقيق مشاركة فعلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ مع توزيع الثروة بشكل عادل، من أجل التشجيع على الاستثمار وخلق مشاريع خاصة تساهم في تدني نسب البطالة، وتشكل دعامة للنهوض بالشباب وإصلاح النظام الضريبي ومحاربة التهرب والفساد وإدماج فئات واسعة من السكان في سوق شغل بخلق فرصه فضلا عن التدبير العقلاني للموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة لتحقيق التنمية، والمساهمة في مشروع النموذج التنموي والمساهمة في الارتقاء الاجتماعي بالقضاء على الفوارق الاجتماعية وتحقيق تكافؤ الفرص.